صدق المثل القائل إن وراء كل رجل عظيم امرأة عظيمة، ومع سعاد سالم الصوري رئيسة التمريض في منطقة رأس الخيمة الطبية، نقول: إن وراء كل امرأة عظيمة رجل أعظم، فهذه الإنسانة المتميزة بطبعها استطاعت رغم زواجها المبكر وإنجابها أربعة أطفال إنهاء دراستها التي تزامنت مع وظيفتها التي تدرجت فيها أيضاً بسرعة حركتها إرادتها القوية وأفكارها التي استمدتها من جهدها الشخصي في ذاتها، تحت كنف ودعم زوجها أحمد حسن الذي كان ولا يزال الراعي الرسمي لمسيرتها والمحرك المحفز لطموحها اللا متناهي.

سعاد الصوري وجه من الإمارات يعكس نوره على كل من يقترب منه، فطبيعتها الهادئة تتصادم مع عبقريتها الوظيفية الظاهرة ما يخلق إبداعا يستشري في كل مكان تعمل فيه، وفي كل أمر تضع يديها عليه، سواء أكان هذا الأمر في تربية أبنائها المتميزين دراسيا وخلقيا، أو مع هوايتها الحبيبة الرسم التي تريحها من ضغط الحياة فتضغط بها على وتر الإبداع بحرفية الفنانين الكبار، أو حتى في حديثها العادي الذي يقتبس سامعه الحكم والدراية منه. تقول رئيسة التمريض في منطقة رأس الخيمة الطبية إن اختياري لدراسة مهنة التمريض لم يكن حلما يراودني بقدر ما كان تفكيرا عقلانيا واقتناعا بتوجيهات أخي الكبير محمد »رحمه الله« وزوجي احمد الذي تزوجته بعد انتهاء دراستي الثانوية، منطلقةً من فكرة أن مجال دراسة التمريض مجال واسع يحتاجه سوق العمل بقوة خاصة للمواطنات.

فبدأت المسير بدعم من زوجي وعائلتي حيث التحقت بكليات التقنية العليا برأس الخيمة وحصلت على دبلوم التمريض منها سنة 2001م، الذي ألحقته مباشرة بدراسة البكالوريوس في جامعة الشارقة والذي تزامن أيضاً مع تعييني في مستشفى صقر كأول ممرضة مواطنه فيها.

تحدي المصاعب وتشير سعاد أنها كانت ترى نظرات الاستغراب من قبل من يراها ترتدي زي التمريض متسائلين عن سبب اتجاهها لهذا المجال، وكانت تنظر لهذا الأمر بأنه تميز لها مؤكدة أنها لو عادت للخلف سنوات عدة لأعاده اختيار ذات التخصص الذي يتميز عن غيره بتواصله الإنساني الكبير مع المرضى ما يعطي إحساسا كبيرا بالسعادة والرضا بعد شفاء المريض أو شكره لها.

كما أن مجال التطور فيه واسع فبالإضافة لدرجة الماجستير في إدارة الجودة التي حصلت عليها، تسعى حاليا للتحضير للحصول على درجة الدكتوراه لتستفيد من هذه المعرفة في تطوير التمريض بل والنظرة العامة إلى التمريض في الدولة.

وتضيف الصوري أن حقيقة كونها أول مواطنة تعمل كممرضة وضعها تحت المجهر، ما أضاف مسؤولية إضافية على عاتقها بان تكون النموذج الجيد لمثيلاتها، إلا أنها لا تستطيع إنكار التعاون الكبير الذي لقيته من المسؤولين خاصة وأنها كانت تعمل وتدرس في ذات الوقت إضافة لاهتمامها بعائلتها. وتضيف: استطعت أن انسق بين كافة هذه الأمور عن طريق تنظيم الوقت بطريقة دائمة وتحديد الأولويات، إضافة إلى الاستغناء عن بعض العادات وانجاز كل أمر في وقته وعدم تأجيله.

وتؤكد سعاد سالم أن كل هذه المشاغل لم تحول دون تربية أبنائها بطريقة سليمة، ويعود الأمر لأنها عودت أبناءها منذ البداية على الاعتماد على أنفسهم بطريقة كاملة، فكل ما قمت بعمله هو أنني لقنتهم كيفية إتمام الأعمال أي الآلية وتركتهم يحصدون النتائج المختلفة ويتعلمون منها، فهم من يقومون بإنهاء واجباتهم والدراسة كما أنهم يتخذون قراراتهم الخاصة بنفسهم حتى في موضوع الملبس.

أفكار تطويرية

وعن عملها الحالي كرئيسة التمريض في منطقة رأس الخيمة الطبية، تقول إنها تعمل ضمن خطة اعتمدتها لنفسها تقوم على التخطيط للمرحلة المقبلة بهدف تحقيق نتائج آنية ومستقبلية، بالتعاون الكامل مع فريق العمل الذي تقوده وبدعم كامل من الجهات العليا في رأس الخيمة والدولة.

مستندة أيضاً للثقافة والمعرفة التي اكتسبتها من دراستها النظرية وخبرتها العملية في المستشفيات، إضافة لما اكتسبته من خبرة بتواصلها الدائم مع العاملين في هذا المجال على مستوى الدولة كالدكتورة فاطمة الرفاعي مسؤولة التمريض على الدولة، ومع العالم من خلال المؤتمرات العالمية والمحلية التي تحرص على حضورها والتواصل الدائم مع أعضائها للاستفادة من خبراتهم وتجاربهم في مجال التمريض.

وتضيف أننا نتجه حاليا إلى تفعيل دور المشاريع التطويرية للممرضات والتي كان لنا الريادة في منطقة رأس الخيمة الطبية بطرح أفكار جديدة فيها، كمشروع مهارات الاتصال للممرضة والذي لجأنا فيه لأحد المختصين في كليات التقنية العليا برأس الخيمة طالبين منه عمل برنامج متكامل الأجزاء مع خطة تنفيذه يهدف لتطوير العلاقات الاتصالية بين الممرضة والجمهور، بعد أن استشفينا أهمية هذا الأمر من خلال دراسة الشكاوى التي كانت ترد لنا والتي بينت أن معظمها خاص بالتعامل، وقد أثار هذا المشروع بعد تطبيقه ضجة كبيرة وإشادة واسعة، ما شجعني لتوثيقه وتقديمه للجهات العليا للاستفادة منه وتطبيقه.

وأشارت سعاد أيضا إلى تطبيق مشروع ممرضة الجروح الذي يتواجد في معظم دول العالم المتقدم، فكنا سباقين في عمل دورات لعدد من الممرضات لتخصيصهم في هذا المجال، كما كنا أول دولة عربية تقوم بالمشاركة في البرنامج العالمي »القيادة من اجل التغيير« والذي يستهدف التغيير في صحة المجتمع من خلال خطة عمل واسعة النطاق، بدأتها عدد من الممرضات على مستوى العالم اخترت لأكون من ضمنهم كمدربة للمدربات في دولة الإمارات العربية، وقد أعطى هذا المشروع ثماره ومازال يعطي لاستمرار مشاركتنا فيه.

وتؤكد الصوري أنها حريصة كل الحرص على تشجيع الممرضات على إكمال دراستهم التمريضية، لان المعرفة تفيد الشخص والمكان الذي يتواجد فيه، »فهو يفتح أعيننا على مجالات جديدة وواسعة، وشخصيا أحبذ التخصصية في مجال التمريض عبر الدراسة في الخارج، لان التخصصية في التمريض مجال تفتقده جامعات الدولة«.

الركض للتغيير

وفي هذا السياق تضيف رئيسة التمريض في المنطقة الطبية، أن هذا الأمر هو من المعوقات التي تؤخر تطور التمريض في الدولة، فليست كل الممرضات المواطنات قادرات على السفر إلى الخارج لإكمال دراستهم التخصصية في التمريض، وفتح مجال التخصصية في التمريض يعد احد جوانب الاستثمار في الموارد البشرية المواطنة التي نحتاجها بكثرة خاصة في مجال التمريض.

وتبين الصوري أن وضع دولة الإمارات المتطور الساعي لتحقيق مقاييس عالمية يدفعنا في المجال الصحي للركض من اجل التطوير، فرغم الجهود الكبيرة والمساعي الحثيثة التي يبذلها المسؤولون لمجال التمريض، إلا أن هذه المساعي تعتبر بطيئة بالمقياس العالمي، الذي نسعى أن نكون عضوا فعالا ومشاركا فيه.

فمجال التمريض في دولة الإمارات رغم تميزه الكبير عن غيره من المهن سواء في مجال سوق العمل أو حتى توفر إمكانات الدراسة في الإمارات، يعاني فروقا كبيرة بين أمثلته في الدول العالمية التي تتعداه في الرواتب والمحفزات، بل ان هذه الفروق تتواجد داخل الدولة ذاتها فهناك فروق بين رواتب الجهات التمريضية المختلفة، يجب تقريبه بما يوافق النظرة العالمية للتمريض وحاجة الدولة لهذه المهنة.

وتبين سعاد أن هذا الأمر يجب أن يتزامن مع العمل الدؤوب من اجل تغيير نظرة المجتمع للممرضة من اجل تحفيز المواطنات على دخول المجال، فالنظرة المرجعية للتمريض لدى الناس خاصة تلك التي رسختها وسائل الإعلام تقوم على أن مجال التمريض هو آخر الخيارات للشخص.

ومن تتجه له تكون فقيرة أو مسكينة أو أرملة بل ومتخلفة دراسياً، ويتم التركيز على مشاكل التمريض كالشفتات، كأن دراسة التمريض دراسة بسيطة وسهلة، علما أننا ندرس في التمريض نفس المناهج التي يدرسها طلبة الطب تقريبا، مع فارق أننا لسنا مسؤولين عن عملية التشخيص التي يقوم بها الطبيب.

إجازة رمضانية

وتحرض سعاد كل عام أن تجمع محصول إجازاتها السنوية لتكون في شهر رمضان الكريم، الذي تجعل منه شهرا عائليا بامتياز فتخصصه لزيارة الأرحام الذين تبعدهم مشاغل الحياة عنهم بشكل عام، وتكثيف العبادات المختلفة في جو رمضاني، إضافة للقيام على أمور الطبخ بنفسها لعائلتها وهي في هذا الأمر متميزة بالرغم من مشاغلها الكبيرة، واجتماعها بأبنائها والتحدث معهم بهدف بناء قاعدة دينية قوية تقيهم أخطار العصر الكثيرة وتكون رفيقة دربهم في الحياة المستقبلية.

رباب جبارة