«الإسلام وموقفه من العنف والتطرف والإرهاب».. كتاب صدر حديثا للشيخ منصور الرفاعي عبيد.. أحد كبار رجال الدعوة الإسلامية في مصر تقلد منصب وكيل وزارة الأوقاف. صدر هذا الكتاب ضمن سلسلة الفكر التابعة لمكتبة الأسرة المصرية، ويأتي في 216 صفحة من القطع الصغير، قسمه الباحث قرابة 20 مبحثاً، ليناقش في كل مبحث موضوعاً ذات خصوصية مرتبطاً بقضية العنف والتطرف والإرهاب في الإسلام، وكيف أن هذا الدين السماوي يرفض هذا العنف، ويؤهل للقواعد التي من الممكن أن يقوم عليها حوار بناء بين المسلمين بعضهم ببعض، والمسلمين والآخر..

في مقدمة الكتاب، يقول المؤلف: العنف والتطرف والإرهاب مصطلحات أصبحت تدهم آذاننا بصورة لم نعهدها من قبل، وباتت ظواهر مخيفة تشكل خطراً واهما يهدد أمن العالم، وينذر بتدمير الحضارة الإنسانية، إلا أن الملاحظ تصاعد وتيرة العنف والتطرف في الآونة الأخيرة. ويبدو ذلك جلياً في صراع الأجيال في الأسرة الواحدة والتفكك الأسري، والقصور الفكري الذي ينبع من التناقض في المصالح والقيم.ويوضح أن المجتمع يموج بعدة صور من العنف، منها العنف الاقتصادي، وهو ينشأ نتيجة فرض الدول القوية سيطرتها علي الدول الضعيفة، والعنف الفكري ويبرز من التصادم في الآراء والغلو في التفكير وعدم الاعتراف بالآخر ونفيه، وعنف سياسي، وهو يهدف إلى الوصول للسلطة ولو على أشلاء الموتى وجثث الأحياء.

ويرى أن الإرهاب المحلي بات سمة عصرية مؤسفة، وتنحصر صور هذا الإرهاب في الاضطرابات الداخلية أو الحروب الأهلية أو الانقلاب أو الثورة مشيراً إلى أنه مع مرور الوقت تعدى الإرهاب حيز المحلية ومؤخراً بدأ العالم يعرف الإرهاب بصيغة العالمية ويبدو ذلك الإرهاب في صور قديمة قدم الأزل كالحروب المحدودة والعالمية أو الحروب المدمرة والحضارة والإرهاب، أم أن هناك هاوية يخطط لها جماعة من أصحاب الفكر القيم تنحدر بالإنسانية في واد سحيق؟!

وفي ذات الوقت يدرك عقلاء الإنسانية أن تغيراً ما يخطط له في فكر مجموعة من البشر، والمؤمنون يرددون قول الله عز وجل حسبما جاء في القرآن الكريم: (وما أدري ما يفعل بي ولا بكم) الأحقاف: 9.

رفض العنفويؤكد منصور الرفاعي أن على أية حال فإن ما ظهر من صراع أخذ شكل العنف والإرهاب، وأصبح سمة العصر الفزع والخوف والاضطراب، للدرجة التي دعت الكثيرين للتساؤل: هل الإسلام يقر هذا أم لا؟ وأن سبب هذا السؤال أن منطقة الشرق الأوسط هي التي تموج بهذا النشاط وهي مهبط الرسالات وملتقى الأديان وأن بعض من يقوم بهذا النشاط ينسب إلى الإسلام شكلاً واسماً، موضحاً أن الإجابة علي هذا السؤال أن الإسلام.

ويشدد الرفاعي عبيد على أن الدين الإسلامي شأنه شأن الشرائع السماوية جميعها يرفض التعصب ويمقت العنف والتطرف وينبذ الإفراط، والتفريط في شتى الأمور ويدعو إلى الوسطية والاعتدال وإلى التحلي بالقيم الإنسانية الرفيعة وعلى قمتها الرحمة والإحسان والحب والمساواة والتسامح والعفو.

كما يأمر أتباعه بأن يتحاوروا ويتناقشوا مع غير المسلمين بروح الصفاء والإشراق والحب والتعاون من أجل الوصول إلى مجتمع متحاب ترفرف عليه أعلام الأخوة الإنسانية والعلاقات الاجتماعية الحميمة.

ويذكر المؤلف أنه في الآونة الأخيرة ظهر في المجتمع الإنساني موجة من التطرف، أدت إلى العنف حتى وصلت إلى الإرهاب، وأصبح المجتمع الآن ينام ولا يدري ما يفعل به، هل هناك تطور سريع يرتفع بالإنسانية إلى مصاف التقدم لا يقر التطرف ولا العنف ولا الإرهاب ولا يرضى بهم ذلك، لأنه دين سماته الحب والتسامح والعفو بل الدعوة فيه ومن خلاله أن تصل من قطعك.

وأن تعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك والدعوة إليه قائمة على اللين والسماحة واليسر ورفع الحرج، فالقرآن الكريم وجه الدعوة إلي غير المسلمين أن يجلسوا مع المسلمين ويتناقشوا في قضايا أمور مجتمعاتهم بروح تتسم بالصفاء والإشراف والحب والتعاون بهدف الوصول الى مجتمع متحاب ترفرف عليه اعلام الاخوة الانسانية والعلاقات الاجتماعية المتسمة بروح الود والصفاء.

سلام الإسلام

وفي متناول عرض لموقف الإسلام من العنف، يقول: الإسلام لا يتخذ العنف وسيلة للوصول إلى غاية ولا يرضى أن يكون المسلم متصفاً به لأن المسلم خليفة الله في الأرض، والله هو السلام ويدعو إلى دار السلام وجعل السلام شعار .

وقد علمنا الله أنه إذا خاف المسلم من أحد فعليه ألا يخونه بل يعلنه حتى يكون علي بينه من الأمر، لقوله تعالى: (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين) الانفال: 58، مشدداً على أنه يجب أن يتصف المسلم بالحلم والصبر والتأني والروية وعليه أن يستقبل الرافضين ويناقشهم في الأمر ويتوصل معهم إلى الحل ربما تتضح أمامه الرؤية.

وينضم الى جماعة المسلمين ويكون عونا للدعوة الاسلامية وإلا فعلينا أن نرد هذا الإنسان إلي مأمنه لا نهيجه ولا تزعجه ولا نخيفه. ويشير الرفاعي عبيد إلى أن رد الإنسان إلى مأمنه ضرورة إسلامية أمرنا بها الله تعالى في قوله: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع سلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون) التوبة: 6.

هكذا من الضروري أن يسعى كل داعية إلى الإسلام أن يعرف الجميع بهدى الله تعالى لأنه قد يكون غرو بهذا الإنسان، وفهم ممن لا أخلاق لهم ولا علم عندهم بأن الإسلام دين يحب سفك الدماء، وأن المجتمع كافر، وأنه يجب علينا محاربة المسلمين في كل مكان، وهذا الإنسان عرف أن هذا هو الحق فامتلأ فكره بذلك، فالواجب على كل مسلم أن يقوم بتقديم النصيحة لمن كان على هذا الفكر، وأن يفهمه أن الإسلام دين الحب والرحمة والتسامح، لا يحب إراقة الدماء ولا يقرها.

ويوضح لكل إنسان غير مدرك لقيم الإسلام أن التطرف وإتباع العنف لنشر الفكر أسلوب لا يقره الإسلام، فإنه قد جنح عن الفكر السليم وأصبح عامل شرقي المجتمع ومظهر فساد، وعلى الحاكم أن يؤدبه وعلى المجتمع أن يزجره فإن تمادى فينطبق عليه حكم الحرابة، لأنه حارب الله ورسوله والمسلمين .

وفي تطبيق الأحكام عليه جاءت الآية الكريمة: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم) المائدة: 33.

ويشدد الرفاعي عبيد على أن العنف والإرهاب سمات يرفضها الإسلام بل وينكرها، فالإسلام دين المحبة الشاملة والرحمة الواسعة والإنسان في كل شئ والعطف على الجار والتكافل الاجتماعي، الذي يسود نظام الأسرة والمجتمع لأن المسلمين يسعون بذمتهم أمرناهم، وكذلك المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يروعه ولا يخيفه لأن العبادات التي شرعها الحق علي الناس لا يستطيع المجتمع أن يؤديها إلا في جو يسود فيه الأمن والسلام.

وفي ذلك يقول تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) الأنبياء: 107، فهو بهذا يجعل الأمن في المجتمع لأن الراحمين يرحمهم الرحمن، موضحاً أن التطرف في الفكر يأتي نتيجة الكره والحقد والحسد والكبر، لذلك ذم الإسلام هذه الصفات واخبرنا الله تعالى أن المسلم لا يسخر من أحد أبداً ولا يليق بنا أن نتنابذ بالألقاب لأن كل إنسان بما كسبت يداه مسئول، يقول تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى..) الحجرات: 11.

اختلاف.. ولكن

ويؤكد أن الإسلام يقر أن الاختلاف في وجهات النظر لايمكن أن يفضي إلى أسلوب العنف لإجبار شخص على اعتناق فكر معين، لأنه من الممكن أن نختلف في الرأي ولكن لا يكفر بعضنا ولا نتخاصم ولا نتشاحن، لأن اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية، وأنه كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يختلفون في الرأي كاختلافهم في أسرى بدر.

فأبو بكر له رأي وعمر له رأي، وكذلك ما رأيناه من اختلاف الرأي في صلح الحديبية وأمور كثيرة رأينا فيها اختلاف الرأي، ولم يكفر بعضهم البعض، كذلك ما حدث من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المشهورة، كل واحد يقول هذا رأيي، ولكن الحب والاحترام والتقدير لمن خالفه في الرأي.

ولم يكن هناك هجوم مسلح أو تراشق بالألفاظ أو اتهام بالخروج عن الملة السمحاء وإنما عكس ذلك هو الذي تم، مشدداً على أن الإسلام بريء من كل شخص يتصف بالعنف أو الإرهاب في فرض رأيه، فهذا عمر بن الخطاب الذي كان يتصف بالعنف والشدة قبل الإسلام عندما دخل في الإسلام رأينا فيه الحب للناس والتعاون معهم والإحسان إليهم، حتى لقد صعد المنبر في يوم من الأيام .

وقال: «لقد كنت أرعى الغنم لأهلي على قراريط، وكان يقال لي عمير، وها أنا الآن أرعى الأمة ويقال لي أمير المؤمنين ومازلت أذكر أن جلبابي كان مرقعاً، وكنت لا أجد كسرة من الخبز»، فلما نزل له عبد الرحمن بن عوف: «ماذا قلت يا أمير المؤمنين؟» فقال: «رأيت نفسي تزهو فأردت أن أؤدبها».

ويخلص الشيخ منصور الرفاعي عبيد إلى أن يتضح من هذه الأمور كلها أن سمات المسلم يؤدب نفسه ويربيها على الفضائل ويعيش بين الناس بسمات الإسلام لأكبر ولا حقد ولا حسد، متسائلاً: هل يفهم المسلمون هذه المعايير وينشرون ذلك على المجتمع الإنسان ليعرف العالم أن الإسلام دين يقوم على قول الحق سبحانه: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربي وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) النحل: 90.