النظرية الاجتماعية الإسلامية لا تلوم الفقراء على فقرهم ولا تلزمهم مسؤولية تحميل الآخرين كاهل الإنفاق، بل إن الإسلام ينظر ضمن منهجه الاجتماعي الشامل إلى الفقراء نظرة ملؤها التراحم وروح المساواة، ويؤكد ان للفقراء حقاً ثابتاً في أموال الأغنياء.
كما ورد عن الإمام جعفر الصادق: «ان الله تبارك وتعالى شرك بين الفقراء والأغنياء في الأموال، فليس لهم ان يصرفوا إلى غير شركائهم» (الوسائل ج 4 ص 148). بمعنى ان الله سبحانه قد جعل للفقراء حقاً في أموال الأغنياء كحق غرماء الميت المتعلق بتركته، فإن امتنع الغني عن أداء ذلك الحق، كان للحاكم الشرعي أو لعدول المسلمين من باب الحسبة استيفاء ذلك الحق قهراً.
وليست الضريبة الواجبة من زكاة وكفارات وزكاة فطر وهديٍ... هو كل ما يقدمه الاسلام للفقراء، بل ان الانفاق المستحب وصدقة السر تسد جزءاً كبيراً من حاجاتهم ايضاً، إلى حد الكفاية والغنى.. لا ريب اذن ان يثق الإسلام ثقة مطلقة بنظامه الاجتماعي الذي يعالج فيه الفقر معالجة حقيقية، كما يشير إلى ذلك قول الإمام جعفر الصادق: (لو ان الناس أدوا زكاة أموالهم ما بقي مسلم فقيراً محتاجاً).
يقول الحق: «ليس البر ان تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم اذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس اولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون» البقرة : 177..
والفقر الذي ورد في قوله تعالى بخصوص انكاح الأيامى: (إن يكونوا فقراء يغنهم الله في فضله والله واسع عليم) (النور 32)، حدد عن طريق الشارع بحالة الفرد الذي لا يملك مؤونة سنته اللائقة بحاله أو لعياله. بمعنى ان المؤونة السنوية هي الفصل في كشف حالة الفرد فيما يتعلق بالغنى أو الفقر.
فالفقير من لا يملك مؤونة سنة، والغني هو الذي تتحقق له مؤونة سنوية لائقة بوضعه الاجتماعي. وقيل: «ان الأولى ايكال معرفة النفقة المستثناة أو المؤونة إلى العرف» (جواهر الكلام ج 16 ص 59).
وبذلك فإن كل فرد في المجتمع الإسلامي مضمون على الصعيد التطبيقي من الناحية المعيشية لمدة سنة كاملة، فإذا دخلت السنة الجديدة وليس لديه وعائلته ما يكفيهم ـ عندئذٍ ـ يحق له أخذ ما يكفيه مع من يعيلهم من الموارد المالية الشرعية لسنة أخرى، وهكذا إلى ان يتبدل وضعه الاقتصادي فيصبح غنياً. وهذا الضمان المالي يشبع حاجات الطبقة الفقيرة ثم يرفعها إلى مستوى عامة الناس وهي الطبقة المتوسطة في النظام الاجتماعي الإسلامي.
وان قيام المجتمع على أساس من الصلاح ونهوض قواه ونخبه وطلائعه وأبنائه بواجب الإصلاح، حركة وجهداً عملياً، سبب رئيس في بقائه واستمرار نمائه (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) هود117، لان وجود الإصلاح في المجتمع والدولة، حركة وبرامج، وواقعاً عملياً ملموساً دليل عافية وحياة متطورة، قائمة على العدل والشورى والوئام والسلام الاجتماعي، وغيابه يعني الجمود والظلم والتيه والتخلف والفساد المنذر بوقوع غضب الله سبحانه أولاً، وانتهاء الفعالية المعنوية والحضارية ثانيا.