«يا أيها الذين آمنوا» «يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارةً عن تراضٍ منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان ‏بكم رحيماً» (النساء: 29)

تناولت الآية جانباً من العلاقات المالية في المجتمع لضمان طهارة التعامل بين الأفراد. فاستجاش الله ضمائر المؤمنين بهذا النداء: «يا أيها الذين آمنوا» ليستثير فيهم مقتضيات الإيمان لينهاهم عن أكل أموالهم بينهم بالحرام، وبيّن الوجه الحلال للربح في تداول الأموال، وهو التجارة، وقرن الله الكسب الحرام بقتل الأنفس.

وأكل الأموال بالباطل يشمل كل طريقة لتداولها نهى الله عنها, كالغش والرشوة والقمار والمماطلة في الديْن واحتكار الضروريات لإغلائها، ومنع الزكاة، وجميع أنواع البيوع المحرمة، والربا الذي هو أشد الوسائل أكلاً للأموال بالباطل، والغلول وسرقة المال العام بصورة مباشرة وغير مباشرة كأن يستغل الموظف ممتلكات العمل المختلفة لقضاء مصالحه الشخصية، أو يخرب الممتلكات العامة أو يستولي عليها.

ولأن الناس ينشغلون بأمر الرزق ويكثرون فيه الحديث، فالهدف الأول الوصول لمكانة أكبر وتوفير دخل أكثر، طمأننا الله بقوله:«وفي السماء رزقكم وما توعدون»، وحذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من استعجال الرزق بالحرام فقال: «أيها الناس اتقوا الله وأجملوا في الطلب فإن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها وإن أبطأ عنها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب خذوا ما حل ودعوا ما حرم» وأمرنا بطلب الحلال فقال :«طلب الحلال واجبٌ على كل مسلم».

وجاءت التحذيرات النبوية تترى من العواقب الوخيمة للكسب الحرام وشؤمه على صاحبه في الدنيا والآخرة وقد روى مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم:«أيها الناس إن الله طيبٌ،لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليمٌ)، وقال: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم) ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يُستجاب لذلك»‏.‏

ورُوي أن سعداً سأل رسول الله أن تُستجاب دعوته، فقال له: ‏«‏أطبْ مطعمك تكن مستجاب الدعوة»، ومن العواقب الوخيمة للكسب الحرام وأكل مال المسلمين بالباطل إحباط العمل، فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من حج بمال حرام فقال لبيك، نودي: لا لبيك ولا سعديك، فارجع مأزوراً غير مأجور»، فما أحبط حجه إلا المال الحرام، كما روي عنه صلى الله عليه وسلم «إن الرجل ليقذف باللقمة الحرام إلى جوفه، فلا يتقبل الله عز وجل منه عملاً أربعين ليلة».

وكلما زاد الفرد من الغنى بالحرام زاد فقراً في الآخرة، ذكر النبي أن الذي يأكل مال الناس يأتي مفلساً من الحسنات يوم القيامة. كما أن المال الحرام ينزع بركة كثير من الأبناء، فكم من أب أعجبه قوام أبنائه وقد غذاهم الحرام، وما علم أن هؤلاء الأبناء قد يكونون غداً غُصة في حَلْقه، وسببَ شقائه في دنياه وأخراه بشؤم المال الحرام فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم: «كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به».

وقد كان السلف يتركون الحلال الذي فيه شبهة عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم:«اجعلوا بينكم وبين الحرام سُترة من الحلال»، قال عمر رضي الله عنه: «كنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة الوقوع في الحرام»، وأكل أبو بكر الصديق رضي الله عنه شيئاً من شُبهة فأخذ يضع إصبعه في حلقه و يتقيأ وعندما سُئل قال: والله لو لم تخرج إلا وروحي معها لأخرجتها لقد قال النبي:كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به. فهلا اقتفينا أثرهم.