أعظم نعمة أفاءها الله سبحانه على الإنسان هي نعمة العقل.. وأعظم وظيفة يؤديها عقل الإنسان هي التفكير وأخطر عملية تؤديها هذه الوظيفة هي الابتكار وفيها يسعد المخلوق بلذة الكشف.. وجمال التعرّف وروعة التجديد. لهذا استخلف الله الإنسان في الأرض.. وعهد إليه بواجب القوامة على ما تحفل به من موارد وثروات وإمكانات. صحيح أن هذا المخلوق البشري قد يخطئ. ولكنه أيضا قد يصيب.

وصحيح أن يدعو الإنسان أحيانا بالخير بقدر ما يدعو في أحيان أخرى بالشر.. لكنه في كل حال موكّل بمسؤولية عمران الكون وصون آلائه والتحدث بما يحفل به من نعمة سابغة أفاءها فاطر الأرض والسماوات على سائر المخلوقات التي تدب فوق أديم الأرض من بشر ومن حيوان ومن نبات ومما نعلمه وما لا يعلمه سوى فالق الحب والنوى سبحانه وتعالى.

«ستينلس ستيل» من صبي عامل يمضي سحابة نهاره محبوسا في قبو ملوث بأبخرة الحديد وأكاسيد المعادن.. إلى مدير معامل البحوث في مدينة شيفلد الانجليزية الشهيرة بصناعات الحديد والصلب بولاية يوركشاير البريطانية.

هذا هو مجمل سيرة «هارلي بريرلي» المولود عام 1871 الذي كتب عليه شقاء العمل في سن الثانية عشرة، ولكنه واصل دراساته العلمية في المدارس الليلية – بالمجان – إلى أن استطاع أن يجمع بين الدرس والتطبيق العلمي، والعمل شغوفا بأمر أساسي وهو: «الصلب – الحديد» وما يتسم به من خواص.وما يحيط به من مشاكل وطموحات. في مقدمة المشاكل كانت مشكلة التآكل والصدأ والتحاتّ بسبب تفاعل الحديد مع عدد من الأحماض الكيميائية. أما الطموحات فكانت تدور حول إمكانية التوصل إلى صلب مصقول مقاوم للصدأ والتآكل بحيث يحتفظ بخواصه من حيث المتانة والتحمل واللمعان والنعومة رغم أي عوامل أخرى وفي مقدمتها عامل التقادم والصدأ بفعل الزمن.

في عام 1912 بدأ «بريرلي» تجاربه حول الصدأ الذي يعتري حديد البنادق وكان قد تعامل معه.. أكثر من باحث فرنسي أو ألماني طرحوا دراسات ومارسوا تجارب معملية لكن دون أن يصلوا إلى نتائج ملموسة من الناحية التطبيقية. مع ذلك فقد أفادت ريادتهم وتجاربهم في لفت الأنظار إلى أهمية معدن الكروم في عمليات صهر وسبك وتشكيل سبائك الحديد.

ولما كان العالم مع العقدين الأول والثاني من القرن العشرين قد أصبح يمتلك طاقة جديدة ولائقة ونظيفة اسمها الكهرباء يمكن استخدامها في إشعال، وإدامة اشتعال، أفران الصهر عالية الحرارة المستخدمة في صناعات الحديد، فقد عمد المخترع الانجليزي إلى صنع قالب من الحديد مخلوط بنسبة 12.8 في المائة من الكروم وأدخلها في قلب الفرن العالي اللافح.

وبعد المعالجة الحرارية اكتشف أن المعدن الناتج يقاوم التآكل والإصابة بالصدأ. وفي غمرة ابتهاجه بهذا الاكتشاف سجل اختراعه لهذه النوعية المستجدة من الحديد بتاريخ 29 مارس عام 1915..

وفي غمرة نفس الابتهاج توجّه للشركة التي كان يعمل بها عارضا عليها استخدام هذا المنتج المثير الجديد. وكم كان إحباطه حين رفض مسؤولو الشركة أن يعطوا فرصة لإنتاج نوعية الحديد الجديد المقاوم للصدأ والتآكل..

وربما دفعه هذا الإحباط إلى مزيد من التنازل حيث توجه إلى حداد متواضع يتخذ دكانه في الجيرة المباشرة طالبا منه أن يصنع من الحديد المكتشف طاقم سكاكين يصلح برهانا ساطعا على الاكتشاف خاصة وقد كان القوم يشكون دوما من أن سكاكينهم.. القديمة لا تلبث يعلوها الصدأ بسبب غسلها بعد كل استخدام.

لهذا أطلق المخترع على سكاكينه الجديدة وصف «الصلب الذي لا يصدأ». لكن صاحب محل الحدادة صّب عليها سائل الخل فإذا بها تغدو لامعة مصقولة بغير أثر من بقع أو اتساخ. ولهذا اختار عبارة أخرى هي الصلب المصقول الذي لا يتسخ – ستينلس ستيل – في الانجليزية.

ولأن الفكرة كانت بسيطة بقدر ما كانت ذكية بل مبهرة، فقد كان هناك من توصّل إليها في نفس الوقت ولكن على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي.. في ولاية إنديانا الأميركية استطاع المواطن اليوود هاينز أن يتوصل إلى نفس النوعية من الصلب المصقول الذي لا يعتريه الصدأ.

وفيما كان زميله الانجليزي يواصل بحوثه في مختبرات السبائك أو في محلات الحدادة.. كان الزميل الأميركاني مدفوعا بشيء واحد.. عائلي هذه المرة إذ طلبت منه زوجته أن «يكتشف لها – إن أمكن – نوعا من أدوات المطبخ ومعدات المائدة من معدن لا يصدأ وخاصة بعد غسيله بالماء والصابون.

في نفس الفترة كان المهندسان مورير وشتراوس من مؤسسة كروب الألمانية قد توصلا إلى نفس السبيكة من الصلب الذي لا يصدأ، لكن مع إضافة نسبة أخرى من معدن النيكل مما أتاح لهما التوصل إلى مصنوعات من هذا الصلب الجديد لها خواص أكبر وأوسع فائدة.

كل هذه الاكتشافات والأفكار المبتكرة شهدها العقدان الأول والثاني من القرن الماضي. وعليه، فما أن حل العقد الثالث – العشرينات حتى أصبح متاحا للبشرية نوعان من هذا الصلب المتين أولهما ذلك الذي يحتوي على نسبة من الكروم والثاني يزيد عليها نسبة أخرى من النيكل..

مما يهيئ طبقة غشائية من أكسيد الكروم تحيط بمادة الصلب فتمنع الحديد من الإصابة بالصدأ. ورغم ما طرأ بعد ذلك من تطويرات وتحسينات فقد ظل هذا النوع من الحديد محافظا على خواصه أو ميزاته الأساسية التي ما برحت مجسدة في: صلابته + مقاومته للحرارة والتآكل + قابليته للصياغة والتشكيل في أشكال لا تخلو من لمسات الجمال + وبساطة متطلباته من حيث الصيانة والتلميع والتنظيف.

تقول المصادر العلمية في هذا الشأن أن هذا النوع من الصلب ما زال بحاجة إلى تطورات لإضفاء ميزة إضافية على ما سبق.. وهذه الميزة تتلخص في عبارة واحدة هي: ** مواصلة تخفيض ما يتحمله المستهلكون لهذا المعدن من أسعار وتكاليف.

الساعة الأوتوماتيكية

ظل الوقت.. بمعنى انقضاء مراحل اليوم والليلة.. من الفجر إلى الزوال ومن مغرب الشمس إلى مشرقها – ظل هذا كله مصاحبا لحياة الإنسان الذي ما برح شغوفا برصد حركة الزمن.. باعتبار أن الحياة في التحليل الأخير إن هي إلا دقائق وثوان. من هنا كان شغف البشر باصطناع، أو ابتكار، الأدوات التي تمكنّهم من معرفة الوقت وقياس وحداته.. سواء كان ذلك بواسطة عصا بدائية يقاس بها ضوء الشمس أو الظلال..

أو كان الساعة الرملية التي يقال أن العرب – المسلمين طوروا تصنيعها وبلغوا بها درجة من الدقة حتى ليهديها الخليفة العباسي هارون الرشيد إلى معاصره شارلمان إمبراطور الدولة الرومانية المقدسة وقد عاش العاهلان بين القرنين الثامن والتاسع للميلاد.

على أن تكنولوجيا استطلاع وتحديد التوقيت لم تصل إلى مستوى الدقة إلا مع اختراع الساعات الميكانيكية في أشكالها الأولية وكان ذلك في القرن الثالث عشر وكادت تقتصر على أديرة الراهبات في أوروبا ربما لتحديد مواعيد الشعائر – ثم كان طبيعيا أن يتلقف اختراع هذه الآلات الميكانيكية فئة التجار لأسباب تتعلق بداهة بضبط المواعيد واستقبال الواردات والتعامل مع جماهير المستهلكين.

لكن أول الساعات التي درج الناس على اقتنائها بين طيات ثيابهم بالذات هي تلك النماذج المصنوعة في القرن السابع عشر في أوروبا وقد تفنن الصانعون في تجميلها بالنقوش وفنون الزخرفة، فضلا عن تزويد حامليها – كانوا بالطبع من الطبقات الموسرة – بسلاسل اتخذوها من الذهب أو الفضة وما إليها.. وتابعهم على ذلك الخياطون الذين كانوا يحرصون بدورهم على أن يصمموا ثياب الرجال وقد احتوى الثوب جيبا صغيرا ودقيقا ظل الناس يعرفونه حتى القرن العشرين باسم «جيب الساعة».

وفي هذا السياق يضيف كتاب الجغرافيا والثورة العلمية – الصادر عن جامعة شيكاغو عام 2005، أن الطبقات العاملة في أوروبا لم تحمل أي ساعات إلا مع القرن التاسع عشر.. وأن القرن العشرين هو الذي شهد ساعات الحائط الكهربية وساعات اليد المزودة بمادة الكوارتز.

ساعات اليد.. أو بالأدق ساعات الرسغ.. وقبلها بالطبع ساعات الجيب ظلت منذ اختراع الساعة تعتمد على تحريك النابض المعدني – الزنبرك تحريكا ميكانيكيا من خلال إدارته يدويا فيما كان يعرف باسم «ملء الساعة».

ومنذ القرن الثامن عشر كان مصلحو الساعات يضيقون بهذا النوع من الساعات العتيقة التي كان من الصعب إصلاحها إذا ما انفلت النابض الزنبركي – (كان أهل الجيل الماضي يطلقون عليه في مصر اسم «الرقّاص»! ومع انتشار ساعات اليد الملتفة حول المعصم ظل الانجليزي جون هاروود.

وكان يعمل في حرفة إصلاح الساعات في لندن، يمعن التفكير في كيفية التخفف من أعباء الإصلاح وخاصة عندما يؤدي تلوث الأجواء إلى دخول شوائب إلى جهاز ساعة اليد المكشوفة أمام الأنواء (ساعة الجيب مصنوعة أولا داخل حصن معدني دع عنك جيب الساعة الخصوصي في طيات الثياب).

دار محور تفكيره حول التخلص من ترس التاج الذي كان يتولى تحريك تروس الساعة لتظل دائبة الدوران. كان ذلك في عشرينات القرن الماضي.. حيث أمضى المبتكر الانجليزي سنة كاملة (8760 ساعة زمن) إلى أن توصل إلى ساعة يد تستطيع أن تولّد من تلقاء نفسها كمية الطاقة التي تكفل تحريكها ودوران تروسها.

والفكرة ببساطة تقوم على أساس تحويل الطاقة الحركية المتولدة عن تشويحات الذراع وإشارات اليد وحركة الجسم بعامة عند الزبون صاحب الساعة وحاملها إلى طاقة دافعة لتدوير تروس الساعة واستمرار أدائها لدورها بغير حاجة إلى ملء يدوي أو تدخل من قريب أو بعيد.

ولا يدري الباحثون أن كان الصنايعي الانجليزي قد اطلع على تاريخ البحث عن ساعة أوتوماتيكية، إذ كان قد سبقه أبراهام لويس برلييه السويسري الذي اخترع ساعة جيب تدور تلقائيا منذ عام 1770 .

ولكنها كانت تقتضي من صاحبها أن يسير لمدة 15 دقيقة وهو ما كان يكفي لتشغيل ساعته العجيبة بحيث تدق في جيبه الأنيق على مدار 8 أيام كاملة وبعدها تحتاج المسألة إلى معاودة المسير. تلك هي ساعة الجيل الرائد من آلات التوقيت الأوتوماتيكية التي طور المخترع الانجليزي فكرتها – كما ألمحنا بعد انقضاء نحو 150 سنة على فكرة سلفه المخترع السويسري

ورغم أن جون هاروود سجل اختراعه في 7 يوليه عام 1923 في نيوبرايتون بانجلترا، إلا أن الشركات البريطانية لم تتحمس لتبني الاختراع ولا إنتاج ساعات وصفوها ولا يزالون – بأنها ذاتية الحركة أو أوتوماتيكية أو مستغنية عن الملء اليدوي أو عن البطاريات. وكان طبيعيا أن يتوجه الرجل إلى سويسرا، وأن يتفق على الإنتاج مع إحدى شركاتها،.

وأن تطرح في الأسواق أول ماركة من هذه الساعات في عام 1928، ويباع منها حسب إحصاءات الفترة 30 ألف ساعة.. وكان في ذلك إنقاذ للمخترع الانجليزي وللشركة السويسرية المنتجة على السواء: استفادوا من حصيلة المبيعات وبدأوا من فورهم يستعدون لأكبر أزمة اقتصادية واجهت العالم في تلك الفترة من القرن العشرين وكان اسمها أزمة الكساد الكبير.

محمد الخولي