«محمد عياد الطنطاوي»: اسم قد لا يعرفه الكثيرون، لأن حظه من الأضواء والذكر ضئيل، في وطنه مصر، وفي الوطن العربي الكبير، وإن كان حظه منهما طيب في أوساط المستشرقين والمتعربين في روسيا، حيث خدم وأعطى بسخاء، وعلم روادا، وترك أثرا جليلاً، منذ أكثر من مئة وخمسين عاماً، وبذلك كان مثلاً مضيئاً للعالم والمعلم والأديب بلا حدود.
فمن هو هذا الرجل؟
الحق أن هذا السؤال، كان عنوان مقالة للكاتب الروسي «سافيلييف»، ظهرت في جريدة «أخبار سانت بطرسبورغ» في عددها الصادر يوم 22 أغسطس 1840، وجاء فيها:«تسألني من هو هذا الرجل الوسيم، في حلته الشرقية وعمامته البيضاء، ولحيته السوداء كالقطران، وعيونه الحية الزاخرة بالنار، ووجهه المعبر الذكي المحترق، لا بشمسنا الشمالية الباهتة.. يسير مختالاً على الجانب المشمس من شارع نيفسكي الرئيسي في ذلك الهواء الجميل؟».
ثم يمضي الكاتب مجيباً عن السؤال، مبيناً أنه هو الشيخ «محمد عياد الطنطاوي»، ابن مصر، والعالم الأزهري، الذي جاء من شاطئ النيل، ليشغل الكرسي الخالي للغة العربية في معهد اللغات الشرقية التابع لوزارة الخارجية ببطرسبورغ.
كان مولد الطفل «محمد عياد» في بدايات عهد «محمد علي» الذي أرسى أسس النهضة الحديثة في مصر، وبالتحديد سنة 1225 هــ/ 1810م، وذلك في قرية تسمى «نجريد» من أعمال مدينة «طنطا»، لكنه ينسب إلى قرية «مرحوم» ـــ من أعمال المحافظة، نفسها ــ حيث أقام والده مشتغلاً ببيع القماش والصابون والبن.
وفي «مرحوم» تلقى الطفل علومه الأولية، وحفظ القرآن الكريم. ومنها قصد «الجامع الأحمدي بطنطا»، وكان يزخر بنخبة من كبار الفقهاء وعلماء اللغة والقراء، فكان حظه الطيب أن تتلمذ على أيديهم، وأخذ عنهم أصول العلوم الدينية واللغوية والأدبية.
ومن «طنطا» انتقل الفتى «محمد عياد» إلى «الأزهر» بالقاهرة، وذلك حوالي عام 1822، حيث درس على صفوة من شيوخ الأزهر المتنورين، وعلى رأسهم أستاذه الأكبر، شيخ الجامع الأزهر فيما بعد «الشيخ حسن العطار».
في الأزهر والقاهرة، كان شعلة من النشاط. فبينما واصل الدراسة والطلب والأخذ عن كبار علماء الدين واللغة والأدب، راح يشتغل بتدريس اللغة العربية، وظهرت نجابته ونبوغه في كلا الأمرين: الدرس والتدريس، كما تجلى شغفه بالأدب، والدراسات الأدبية.
ومنهج التدريس بالنزعة الأدبية، متأثراً في ذلك بأساتذته وبخاصة «الشيخ حسن العطار»، الذي كان أديباً وشاعراً، والشيخ «إبراهيم البيجوري» ـــ شيخ الأزهر فيما بعد ــ وكان يختار لحلقته موضوعاً أدبياً مثل «مقامات الحريري» أو «المعلقات»، وينطلق منه في صولات وجولات علمية فقهية ولغوية وأدبية بلا حدود.
لزم العالم الشاب «محمد عياد الطنطاوي» أسلوب التدريس بالنزعة الأدبية، فراح يشرح المقامات وأشعار القدماء مبيناً جوانب البلاغة وقواعد اللغة. ولم يرض ذلك بعض المتشددين والمتزمتين، حتى إنهم اتهموه بترويج البدع، ووصل سخطهم عليه حد تمني موته حين أصيب بالطاعون سنة 1936. لكن الله خيب أمانيهم ونجاه بعد معاناة عشرة أيام قاسية بلا نوم ولا وعي، وكتب له الشفاء بعد أسبوعين آخرين من العلاج. وقد أشار إلى من تمنوا موته في قوله:
تمنى أناس أن أموت، وإن أمت
فتلك طريق لست فيها بأوحد
وإن أظهروا موتي فليس بمنكر
إذا أظهر الشيطان موت محمد
في حياته العملية في «القاهرة» اشتهر الشيخ «محمد عياد الطنطاوي» بموهبة يسر الشرح وإيصال المعلومات لتلاميذه، واشتهر بوجه خاص في حسن التدريس للأجانب: قناصل الدول والمستشرقين وغيرهم، وذلك فضلا عن سعة علمه، وتضلعه من اللغة والأدب.
كان من هؤلاء الذين قرأوا عليه بعض كتب الأدب والمعلقات والتاريخ العربي: الروسي «موخين» الذي كان يعمل مترجماً للقنصلية الروسية في الآستانة، والقنصل الجنرال الكونت «ميدن» أحد أعيان روسيا، والذي عمل فيما بعد سفيراً لها في بلاد «فارس» و«أميركا».
وفي تلك الفترة، وفي سياق تطلع روسيا إلى تنشيط فهمها واتصالها ببلاد العرب، برزت حاجة «مدرسة الألسن الشرقية» في «بطرسبورغ» لمعلم كفء للغة العربية، ووجد الكونت «ميدن» ضالته في الشيخ «محمد عياد الطنطاوي»، فبادر بطلب استعارته من والي مصر «محمد علي».
صادف هذا الطلب هوى «محمد علي» الذي كان مشغولاً بإيفاد البعثات إلى دول أوروبا، وتشجيع التواصل مع العلوم والمعارف واللغات الأجنبية، للإفادة من التقدم العالمي في إعادة بناء مصر الحديثة. ويروي «الشيخ الطنطاوي» عن موقف «محمد علي» فيقول: «.. فأذن لي، وطلب حضوري، فمثلت بين يديه، فأمرني بالجلوس، فامتثلت أمره المأنوس. ثم حضني على تعلم لسان «الروسيا»، ووعدني بالإكرام إذا تعلمته، لأنه مشغوف بجلب الألسن الغربية إلى بلاده. ولهذا ترى في مدارسها نجابة التلامذة خصوصاً اللسان الفرنساوي. وكتب لي مرسوما بختمه كالالتزام بما وعد..».
وهكذا قدر «للطنطاوي» أن يسير على نفس الدرب ــ ولكن في اتجاه آخر ــ الذي سار عليه زميله وصديقه «رفاعة الطهطاوي» فبينما أوفد «رفاعة» إلى «فرنسا» عام 1926، كانت وجهة «محمد عياد الطنطاوي» هي «روسيا».
وبينما أسفرت مهمة «الطهطاوي» عن ترجمة وكتابة نخبة من الكتب التنويرية الرائدة، وعلى رأسها كتابه العظيم «تخليص الإبريز في تلخيص باريز»، أسفرت مهمة «الطنطاوي» ــ فيما أسفرت عنه ـــ عن كتابين رائدين هما: «تحفة الأذكياء بأخبار بلاد الروسيا»، و«كتاب وصف روسيا».
وفي كتابة «تحفة الأذكياء» الذي أتمه وبيضه في يناير 1850، أي بعد عشر سنوات من وصوله إلى روسيا، حشد «الطنطاوي» تفاصيل تجربته ومشاهداته وتأملاته في حياة الروس السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية، وحتى نكاتهم وفنونهم المختلفة. وقد سجل ذلك بوعي نافذ، وبصيرة شفافة، وعقل لماح، وتكفي شهادة المستشرق الروسي الكبير كراتشكوفسكي فيه إذ يقول:«إن كتاب الشيخ الطنطاوي قريب جداً لأنفسنا نحن الروسيين، فهو يعكس بروعة طبيعة الطنطاوي المتطلعة، واستجابته لكل مظاهر حياتنا. كما يعكس نظرته الدقيقة ومزاجه اللطيف».
بدأت رحلة «الطنطاوي» إلى خارج حدود بلاده والوطن العربي كله، في 26 مارس 1840، من «القاهرة» إلى «الإسكندرية» حيث أبحر على باخرة نمساوية ــ وصف الرحلة فيها بدقة ــ إلى جزيرة «كريت»، وبعض الجزر الأخرى إلى «أزمير»، فبحر «مرمرة» حتى «استانبول» التي أقام بها أياما ووصف الحياة فيها بعين فاحصة. ثم ارتحل إلى أوديسا «وإلى العديد من المدن وصولاً إلى غايته: «بطرسبورغ»، في 30 يونيو 1840.
جاء وصف الرحلة في اثنتين وخمسين صفحة في صدر الكتاب، ثم أعقبتها أبوابه، فتضمن الباب الأول سرداً لتاريخ الروس وتعريفا بجغرافية بلادهم. وتضمن الباب الثاني تركيزاً على حياة كبار حكامهم بناة وطنهم: «بطرس الأكبر» وخلفاؤه.
أما الباب الثالث فتناول فيه عادات الروس وأخلاقهم وعقائدهم وطقوس الزواج والتعميد والدفن والولادة والأعياد ودور المرأة في المجتمع، والعلوم والفنون والسكن. واختتم الباب بفصل عن اللغة الروسية وقواعدها وكيفية الترجمة منها وإليها.
لم يكن الكتاب سرداً معلوماتياً جافا، وإنما كان تأملاً واعياً متفهماً لا يخلو من التعليق الظريف والمقارنة اللطيفة بالحياة والمجتمع في مصر، ومن أطرف وأظرف الأمثلة على ذلك وصفه لوسائل التسلية، ومنها الرقص في الحفلات الاجتماعية، ويقول في ذلك إنها حفلات يجتمع فيها الرجال والنساء، حيث يتكلف الرجل في مخاطبة المرأة مالا يتكلفه في مخاطبة الرجل. وذهب إلى أنه لو لم يكن من ثمرات اجتماع النساء بالرجال إلا قصر النظر عليهم وعدم التعلق بالغلمان لكفى. فكيف وفيه فوائد أخرى من العشرة وحسن الأدب وغير ذلك. ثم قال شعرا في ذلك:
ولو أن النساء تبدو بمصر
ما سمعنا تغزلاً في غلام
كل هيفاء كالغزال بوجه
ساطع نوره بغير لثام
قلبت برقعاً بعقرب صدع
فهو من لدغه الخدود دوامي
ولكل امرئ جليس أنيس
فاتقوا الله يا أولي الأحلام
أي عذر في عشق رب عذار
في هوى الغانيات أي ملام
في عام 1844، عاد «الطنطاوي» إلى مصر، في إجازة، حيث اصطحب زوجته «علوية» وابنه «أحمد» ورجع إلى روسيا التي ظل فيها إحدى وعشرين سنة، حظي فيها بفيض من التقدير والتكريم، وأعطى فيها بسخاء من علمه وأدبه وتدريسه بالجامعة، وبالكلية الشرقية. وكان يدرس قواعد اللغة من نحو وصرف وبلاغة وكذلك الأدب، والخط، والتاريخ، والعروض.
ووضع في ذلك كله كتبا تعليمية قيمة للدارسين.وتقديراً له، عين مستشاراً في الدولة الروسية، وقلده القيصر نيشانا ووساما، وخاتماً مرصعاً بالماس النفيس، لكن التقدير الأبقى هو من أجيال الدارسين من المستعربين الذين يعرفون له فضله العظيم.
وفي موعد الأجل المحتوم، فاضت روح العالم المعلم والأديب بلا حدود. وانتصب فوق قبره قرب قرية «فولكوفو» في «المقبرة التتارية»، شاهد رخامي، حفر عليه باللغة العربية: «هذا مرقد الشيخ العالم محمد عياد الطنطاوي.كان مدرس العربية في المدرسة الكبيرة الإمبراطورية ببطرسبورغ المحروسة، وتوفي في شهر جمادى الثانية سنة 1278 من الهجرة، عن خمسين سنة».
وعلى الوجه الآخر من الشاهد، حفر باللغة الروسية: «الأستاذ بجامعة سانت بطرسبورغ، والمستشار برتبة عقيد، الشيخ محمد عياد الطنطاوي. مات في 27 تشرين الأول (أكتوبر) 1861، وله من العمر خمسون عاما».
عبدالوهاب قتاية
