من التشبيهات الشائعة عن الأولاد أنهم مثل أولاد الطيور الصغيرة الفراخ، فالفرخ في أصل اللغة ولد الطائر، ثم استعمله العرب في كل صغير من النبات والحيوان والإنسان.
ومن هنا قال الحطيئة يستعطف عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ
زغب الحواصل لا ماء ولا شجر
يصف أولاده ـــ كما وجه الفن والتشبيه ـــ بالضعف: كالأفراخ الصغار، لا قوة لهم وحدهم، وهم يحتاجون إلى الآباء والأمهات.
ومن هذا الباب أيضاً قول حطان بن المعلي في أبياته المشهورة
لولا بُنيّاتُ كزُغبِ القطا
رُدِدْنَ من بعض إلى بَعْض
لكان لي مضطرب واسِع
في الأرض ذاتِ الطول والعرضِ
فلولا بناته الصغار اللواتي يشبهن صغار الفراخ (لا يزال عليهن الزغب: لم يكبرن) لسافر في الأرض وضرب في الآفاق.
وفي شعر الأولاد والأبناء قصيدة للشاعر محمد بن شرف القيرواني من أهل المغرب الأوسط، ونسبته إلى مدينة القيروان (وهي اليوم في الديار التونسية) عاش بين 390 و460 هجرية.
وكان ابن شرف من أعيان شعراء البلاد، ونال بمدائحه حياة جيدة. ولكن ظروفاً قاسية مرّت على تلك البلاد بهجوم قبائل جاءت من صحراء مصر بتفويض من الحاكم الفاطمي في مصر للاستيلاء عليها، واضطربت البلاد، وعمت الفوضى واضطر معظم أهالي القيروان ـــ ومدن أخرى كثيرة ـــ إلى النزوح عن بلادهم.
فاختار ابن شرف صقلية التي كانت لا تزال تحت الحكم العربي، فأقام مدة، ثم غرب نحو الأندلس، وتنقل فيها، يمدح بعض أمرائها. وكانت الأندلس في تلك المدة في ظل دويلات كثيرة ظهرت بعد انتهاء الدولة الأموية. واستقر ابن شرف في مدينة اشبيلية عند أصحابها (حكامها) من بني عباد (وهم أسرة عربية مشهورة).
وقد وصف ابن شرف في ديوانه الباقي أولاده بالإشارة حيناً وبالوصف والتعيين حينا آخر. ووصف معاناتهم في محنة التهجير التي كانت في تلك المدة، وفي صعوبة الانتقال وفي وعورة الطريق. ومن ذلك قوله في قصيدة مدح بها المعتضد بن عباد حاكم إشبيلية في الأندلس، واصفاً صعوبة الرحلة في البر وفي البحر، ومقاساة الصغار (مع الكبار)
ولي منهما سهمان: هذا ابن أربع
وهذا ابن ست كلما كان إغفاءُ
أَضُمّهُمَا والّليْل داَج كأنّما
هُمَا نُقْطَتا تاء وجسْمي هُوَ التاءُ
فهما لصعوبة السفر ومن خوف الرحلة وظروفها يلتصقان به كأنهما نقطتا التاء (في التشبيه). وعاد ابن شرف فوصف أولاده بالأفراخ، على مذهب العرب في ذلك في تصوير حسن، وتفريغ للشحنة العاطفية الشديدة، واسترسال مع أحداث الرحلة الصعبة:
كأني وأَفْراخي إذا الّليل جَنّنا
وبات الكرى يَجْفُو جُفونا ويطرقُ
حَمائمُ أضْلَلْنَ الوكورَ فَضمّها
تجانُسُها حتى تراءى المفرّق
فهم كالطيور: ضيعن العش، فالتف بعضها على بعض إلى أن ظهر وجه الصباح، وسماه المفرق لان الناس تنتشر حينئذ. ثم قال:
إذا أفزعتهم نَبْوةُ زاحموا لها
ضلوعي حتى وُدّهم لو تفتّقُ
ويَصْغُر جسمي عن جميع احتضانهم
فيثبتُ ذا فيه وذا عنه يزهقُ
فهم يلتفون حوله ويحاولون احتضانه، ولا يستطيع احتضانهم جميعاً! ثم قال شاكياً من حال بؤسهم بعد النعيم السابق:
كأنهّم لم يسكنوا ظلّ نِعْمَة
لها بهجة ملء العيونِ ورَوْنَقُ
إلى أن غَدَوْا مَنّ الفيافي فتارةً
تباع وفي بعض الأحايين تُعْتَقُ
وطوراً على موج البحار كَأنّنا
مَذًى قد وثقنا أَننّا لَيْسَ نَغْرقُ
ونحنُ نفوس تسعةُ ليسَ بيننا
وبين الرّدى إلاّ عُوَيْدُ مُلَفّقُ
لقد عانى أولاد الشاعر من الرحلة خاصة والاغتراب عامة. فقد صاروا كالعبيد للصحارى تتصرف بهم (يعني المخاطر) وكالقشة في قلب البحر.. ليس بينهم وبين الموت إلا سفينة ربطت أعوادها (أخشابها) وضم بعضها إلى بعض.. فهم في البر والبحر على خطر شديد!
ووصف ابن شرف القيرواني لحال أولاده في رحلات انتقالهم من الوصف النادر في موضوعه، وفي تصوير هواجس نفسه وعواطفها.
أ.د محمد رضوان الداية
