أكد د. أحمد زكي يماني رئيس مركز دراسات مقاصد الشريعة الإسلامية أنه من المهم التعمق في فهم الشريعة الإسلامية، وأنه من منطلق هذا التعمق يجب السعي قدماً لتأصيل فكر فقه المقاصد، وذلك باعادة النظر في القضايا العديدة، التي تصل إلى مئات القضايا المستحدثة كرؤية الإسلام مثلاً في المعاملات الإلكترونية، ومسألة سفر المرأة بدون محرم.

وأشار يماني إلى أن التنوع المذهبي الموجود في الإسلام أمر جميل ومفيد لأن الأفكار إذا كثرت واختلفت تؤدي إلى تنوع الفكر، أما الصدام فيحدث مع من يتمسك بالنصوص وكأنها أصنام، وهؤلاء من الصعب إقناعهم بأن المقصد أهم ونحن نؤيد القديم. وأوضح أن جائزة شاعر مكة الكبير محمد حسن فقي سوف تستمر ولن تتأثر برحيل أمينها العام الإعلامي أحمد فراج، لأن الأشخاص يرحلون، لكن المعاني باقية لا تزول أبداً، وبالتالي سوف تستمر الجائزة رغم رحيل شاعرها وأمينها العام. * بشرت بمركز دراسات مقاصد الشريعة الإسلامية في لقائكم بجامعة القاهرة عام 2002.. كيف تبلورت هذه الفكرة إلى أن خرجت للنور بتأسيس المركز قبل نحو عامين؟

- نحن لدينا تراث كبير جداً من الفقه أنتجه الفقهاء المسلمون عبر القرون السابقة، وهو أمر نحترمه، ويدل على الإجادة عند فقهاء المسلمين، ولكنه اجتهاد فكري بشري تم في عصور كان أجمل ما فيها هو وسيلة المواصلات وكانت الوسائل المالية تتم بالذهب والفضة وبوسائل بدائية.وقد تغيرت الظروف فوسائل المواصلات أصبحت تتم بسرعة أكبر حتى مما يتوقعه المعاصرون، فأنت من القاهرة تدير أعمالك في أي مكان في العالم في نفس اللحظة، وأصبحت تدير معاملاتك المالية مع أشخاص لا تراهم ولا يرونك، وتشتري بضائع لا تراها، وتدفع نقوداً ليست النقود الورقية المعروفة وإنما هي نقود إلكترونية.. والعالم كله تغير، ولذا يجب أن يكون عندنا اجتهادات تتماشى مع ذلك، وتلبي طلبات هذا العصر الذي تغير عما سبق.

ومن ناحية أخرى في الفقه الإسلامي هناك مدرستان، مدرسة من يتمسكون بالنص تمسكاً أعمى، ومدرسة أخرى تتمسك بالهدف والمقصد من وراء النص، وعميد هذه المدرسة هو عمر بن الخطاب «رضي الله عنه وأرضاه»، وكثير من الصحابة.

وانتقلت هذه الأفكار إلى الإمام مالك، وهذه المدرسة نريد أن نحييها ونتمسك بنفس الفكر المقاصدي الذي كان سائداً بين صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن في حاجة لذلك، وهناك أحكام لا تتمشى مع الواقع الحالي، وهذا لا يعني أننا نريد تبديل الشريعة الإسلامية، وإنما نريد تطوير الشريعة الإسلامية، والرسول نفسه يقول: سيأتي على رأس كل مئة سنة من يجدد أمر الدين، فالتجديد أمر توقعه الرسول صلى الله عليه وسلم وذكره.

خط أحمر

* أي مؤسسة تولد خارج الأطر الرسمية أحياناً تقابل بشيء من التحفظ على المستوى الرسمي، فهل وجدتم هذا التحفظ؟

- يصعب في الواقع محاربة الفكر المقاصدي، هذا الفكر أسسه عمر بن الخطاب وكثير من زعماء المدينة على عصر الإمام مالك، ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه أقر الاجتهاد بمقاصد وهناك حوادث معروفة ومدروسة، ومحاربة هذا الاتجاه من الأمور الصعبة.

* ولكن البعض يتهم المركز بأنه سعى للمساس بالثوابت ومحاولة إزاحتها.. فما ردكم؟

- هذا الواقع خط أحمر نحن لا نتجاوزه، فالثوابت هي ثوابت، فمثلاً تحريم الزنا والخمر ما يماثلها ليس هناك مجال للكلام عليه، ولكن نحن في مجال نص له هدف ومقصد نتمسك بالقصد والهدف، وهناك كثير من الأحكام التي انطلقت من هذا الرجل العبقري عمر بن الخطاب، وقد تبدو مخالفة للنص هو لم يعطل النص وإنما هو أخذ بالمقصد والهدف.

* ولكنهم لا يدركون أن المقصد والغاية الأسمى هي الهدف للتشريع وليس التشريع في حد ذاته.. ما رأيكم؟

- من المهم التعمق في فهم الشريعة الإسلامية، فالقصة الأولي لفقه المقاصد هي قضية بني قريظة بعد انتهاء معركة الخندق، وبعد عودة الرسول صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة وانطلاقه إلى بني قريطة قال: لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة. فبقية المسلمين تبعوه وأوشك وقت العصر أن ينقضي.

وبعضهم صلى العصر، ونحن الآن نقوم بأمر أقره الرسول وهو فقه المقاصد، وإذا جاء الأمر نأخذ المقصد فمثلاً في القرآن صلاة الخوف في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كانت بالحروب، إذن ما هو المقصد؟ المقصد هو أخذ الحيطة والحذر من الأعداء إذن نأخذ الحيطة والحذر وهناك صور عديدة نجدها في القرآن الكريم.

الفكر المقاصدي

* إذن كيف تنطلق دراسات مقاصد الشريعة إلى التماس معالم النهضة للخروج من حالة التردي التي تمر بها الأمة؟

- في الفكر المقاصدي، هناك قضايا عديدة تصل إلى المئات يجب إعادة النظر فيها، فمثلاً المعاملات الإلكترونية يجب أن يعاد النظر فيها، ثم هناك بعض البلاد الإسلامية تصر ألا تسافر المرأة إلا بوجود محرم، وكان المقصد هو حماية المرأة من السفر، تسافر أسابيع مع الرجال.

وكان يخشى عليها والمقصد من النصوص لحماية المرأة، لذلك قال الفقهاء إن المرأة لتسافر بمفردها إن كانت في رفقة مأمونة، ولكن الآن تغيرت الظروف، وموضوع شهادة المرأة يجب أن يكون هناك رجل وعلى الأقل امرأتان، وكان هذا في وقت الأمور التجارية يحسنها الرجال، يجب أن ننظر إلى المقصد، وكلها أمور بحاجة إلى تعمق وفهم ودراسة، للخروج باجتهاد جديد.

ومن الأيام الأولى في الإسلام كانت شهادة المرأة مقدمة فيها بمعنى متى ولدت ومتى حاضت ومتى فطمت؟.. فالرجل أقل شأناً في ذلك وهذا ليس إخلالاً إنما الهدف هو إثبات الحق وتثبيته، وهذا موضوع يمكن النظر فيه، وهناك أمور كثيرة مثل نقل أعضاء الموتى إلى الأحياء البعض يأخذ نص كسر عظم الميت ككسر عظم.. الخ، والهدف هو إعطاء حرمة للميت.

ولكن هناك إنسان بدون نقل العضو إليه يموت، فأي الأمرين أفضل؟ فندفع مفسدة كبيرة بمفسدة صغيرة، وهناك مفاهيم كثيرة جداً في حياتنا مثل الاستنساخ وموضوع الديون والربا، وبالرغم من المحاذير الشديدة التي نحترمها، ولكن العملات التي كانت من الذهب والفضة، أصبحت عملات نقدية تعكس القوة الشرائية والحالة الاقتصادية للبلد التي أصدرتها، فأنا إذا أقرضت شخصاً بمبلغ بعملة من دولة معينة بعملتها ثم انهارت تلك العملة، هل يعطيني 10 أو 15 % من الدين أم يعطيني القيمة؟

وهذه أمور يجب أن تدرس على ضوء الأوضاع الاقتصادية الحالية، وهناك من الفقهاء من قرر أن يعطيه القيمة أبو يوسف صاحب أبي حنيفة، من قرون طويلة قال يعطيه القيمة، وهناك عقول مفكرة من أناس يصلون إلى مرتبة الاجتهاد، وهناك أمور كثيرة نحن لا نتناولها وإنما نعطي الخبز لخبازه.

* إلى أي مدى نجحتم في تحريك هذه القضية إدخالها إلى مجالات البحث العلمي في جامعاتنا؟

- في فترة قصيرة نسبياً، استطعنا النجاح في عمل الكثير، فهناك محاضرات لنا من ماليزيا إلى كندا، وقمنا بمحاضرات كثيرة من بلاد العالم، وسيكون لنا على الإنترت موقع إلى جانب الكتب التي نصدرها، وكانت حركتنا حركة مدروسة وموفقة ولله الحمد.. وهناك وسائل كثيرة والأبواب فتحت لنا، وإن شاء الله نستمر في المسيرة والأمر يحتاج لبعض الوقت وفكر المقاصد بدأ عند المالكية ولذا المغاربة برزوا أكثر فيه.

تنوع مذهبي

* هناك حالة تنوع مذهبي في العالم الإسلامي.. كيف تتعاملون مع قضية التنوع المذهبي وأنتم تتحدثون عن المقاصد؟

- التنوع المذهبي جميل ومفيد، لأن الأفكار إذا كثرت واختلفت تؤدي إلى تنوع الفكر، أما الصدام فيحدث مع من يتمسك بالنصوص وكأنها أصنام، وهؤلاء من الصعب إقناعهم بأن المقصد أهم ونحن نؤيد القديم، والكم الضخم من نتائج المقاصد أنا بهرت به ونحن سنساعد على رسائل علمية تعنى بالمقاصد التي تشمل جميع معالم الحياة.

* وسط حالة تأجج الصراع والفتنة المذهبية، كيف تعالجون مثل تلك القضية؟!

- هذا الأمر سياسي، ونحن عشنا قروناً طويلة سُنة وشيعة ما تحاربنا نختلف والخلاف لا بأس به والخلاف العقائدي أمر تاريخي، فموضوع الأئمة وعصمة الأئمة هذا أمر انتهي من مئات السنين، وليس محلاً للنقاش..

فلا يعقل أن نتصارع على أمور تاريخية مثل موضوع التقية.. أما قرآننا فواحد وقبلتنا واحدة ورسولنا واحد، وفي كل الأمور والسنة يماثل تماماً الخلاف في الفقه بين المذاهب السنية.. ومنذ فترة كنت أصلي خلف فقيه شيعي صلاة واحدة، وهو يتصرف في بعض المالكية.

ولا يجوز السجود إلا علي الأرض أو ما أنبتت، فلهذا هو يأخذ قطعة للسجود عليها، وهو إذا صلى أسبل والمالكية يسبلون وبعض المالكية يختلفون مع الحنفية ويتفقون مع الشافعية في الجهر بــ «بسم الله الرحمن الرحيم» وهناك اختلافات فقهية في داخل مذاهب أهل السنة، والعجيب أن الشيعة يتفقون مع بعض هذه المذاهب السنية ويختلفون مع بعضها.

وليس هناك أي أمر يمكن أن ننزعج منه، ففي بعض المسائل مثلاً في الإثم هناك قواعد عند الشيعة بأن يختلف كما من حق الشافعي بأن يختلف مع الحنفي، لأن هناك نصاً أو فهماً لنص وصله يختلف عن فهم الحنفي، وفي هذا لا أكفر الحنفي ولا أكفر الشيعي وكلنا من رسول الله مقتبس.

* ذكرت جملة أعتقد أنها في غاية الأهمية أن الخلاف بين السنة والشيعة سياسي.. كيف نعي ذلك؟

- نعم الخلاف القديم، هو خلاف سياسي الشيعة الإثنى عشرية يعتقدون أن الإمام الثاني عشر محمد الحسن العسكري اختفى وأنه سيعود، فليعتقدوا كما يشاءون، ما الذي يضيرني في ذلك وهذا شيء من مئات السنين وانتهى، وهناك مذهب جديد عند الشيعة وأصبح يمكن أن يرأس الدولة شخص بغير الإمام الإثني عشري وانتهى الخلاف وانتهت المشكلة.. إما أن تعود للماضي ونختلف فهذا غير مقبول.

ويجب أن ننتبه إلى أن هناك أهدافاً سياسية لإيجاد فتنة بي السنة والشيعة، ومع الأسف الشديد في أوساط الشيعة المتزمتين هناك مخاطر ويزكي هذا الجانب الفارسي في الأمر فالفرس لهم حضارة الماضي، وهم أذكى من العرب في المفاوضات وفي السياسة، وهذه أمور عرفتها من تجاربي ومن محاولاتي، ولهذا يجب أن نصف السياسة بأساليب سياسية وليس بإقحام الدين فيها فالدين يجب أن يحترم ويبقى مكانه.