أتى على الإنسان في أرض الإمارات الطيبة حين من الدهر كانت المساجد الصغيرة، حجماً ومساحة، هي الطابع الغالب في السياق المسجدي لعمارتها لأسباب، عديدة أشرنا إلى بعضها وفي مقدمتها محدودية عدد الذكور الذين يخدمهم المسجد بصفة أساسية في المنطقة الواحدة، وطبيعة مواد البناء نفسها، وفي مقدمتها أخشاب الأسقف والأحجار المستمدة من البر والبحر، والتي لم تكن تسمح بامتداد مبالغ فيه في البناء.

لكن ذلك لن يمنعنا من الاهتمام بهذه النوعية من المساجد اليوم، فهي موجودة بكثرة ليس في البوادي وحدها وإنما في قلب أحياء المدن ذات التركز السكاني العالي، ولعلي لا أخطئ إذا توقعت أن تزيد أعدادها بصورة ملموسة في المستقبل.إلى هذه النوعية من المساجد التي أحدثك عنها هنا ينتمي مسجد ميمونة بنت الحارث بمنطقة السويحات بالشارقة.ويؤسفني، بالطبع، أنه ليست لدي معلومات تذكر لتشكل الحد الأدنى الذي يجعلنا نقترب من هذا المسجد، كتاريخ إتمامه على سبيل المثال وهوية رعاته والقائمين على إنشائه.

هذا لا يترك لنا درباً نشقه إلى تحقيق قراءة في هذا المسجد إلا بالاقتراب منه وتأمل لمحاته المعمارية، التي من المؤكد أنك ستجد منها عند كل منعطف ما يستحق الاهتمام.في اعتقادي أن الطريق الأمثل لإقامة هذه النوعية من المساجد هو ذلك الذي تم اعتماده في إنشاء مجموعة المساجد الصغيرة والبديعة في آن التي تم إنشاؤها على امتداد كورنيش غزه، وهذا الطريق قوامه ـ ببساطة ـ بالغة أن تعطي العيش لخبازه كما يقولون.حيث عهد بتصميم تلك المساجد إلى معماريين بارزين، يدرسون المكان، ومتطلباته، وما يسعى إليه رعاة هذه المساجد، ثم يخرجون بخلاصتهم التي تأتي نسيجاً وحدها، على نحو ما فعل محمد الوكيل، على سبيل المثال، في مسجد الجزيرة.

ولكن من الذي قال إن رعاة مسجد ميمونة بنت الحارث كانت لديهم اتصالات بالمعماريين الكبار؟ من الذي قال إنه كانت تحت أيديهم ميزانية كتلك التي كفلت ترصيع كورنيش جدة بهذه السلسلة من المساجد البديعة التي تتحدى محاولات النسيان؟

لا أعرف كيف أجيب عن هذه النوعية من الأسئلة، لكنني أعرف أن هذا المسجد تحت آفاق الشارقة وفوق رباها الحاليات يعكس ما يسميه المعماريون ببراعة التخلص.هاهو المسجد الذي أراده أولئك الرعاة الطيبون الذين اعتذر لجهلي بهويتهم، فكتلة المسجد الصغيرة المستطيلة لا ينقصها الخيال المحلق، وسقفها تتوجه مئذنة صغيرة بما ينسجم مع كتلة بيت الصلاة، والعين لا سبيل إلى تخطي المئذنة.

هذه المئذنة جديرة بالالتفات حقاً، فهي خلافاً لما يوحي به مشهدها من بعيد ليست مندمجة مع كتلة البناء وإنما هي منفصلة عنه، وهي تنهض من الأرض، خلافاً لمعظم المآذن في الإمارات، وفي استحضار لما كنا نشهده في بعض المساجد الخليجية القديمة.

وكتلتها أقرب إلى المآذن التي يقيمها أشقاؤنا في المغرب العربي، وهي تتوج بشرفة مدهشة، تزنرها تدرجات، وليس مقرنصات كما تتوقع وتعلوها قبة مفرغة تردد برشاقة أصداء العقود نصف الدائرية في مداخل المسجد وقاعة الصلاة.

في داخل قاعة الصلاة ينهل النور من الأبواب والنوافذ ذات العقود نصف الدائرية وكوى رقبة القبة التي يأخذ أعلاها أيضا شكل العقد نصف الدائري، وقد سبق لي أن قلت لك إنه ليس شائع الاستخدام في مساجد الإمارات، ربما لأن أبناء الإمارات يميلون أكثر إلى العقود شبه الحدوية أو لأن تحقيق توازن تحميل الثقل يكون أسهل في حالة هذه العقود الأخيرة.يرتفع السقف على أعمدة رشيقة تحمله مباشرة، من دون عقود أو تيجان، وهو أمر غالباً ما نلحظه في المساجد الصغيرة.

ومادمنا قد تحدثنا عن براعة التخلص، أليس هذا هو ما نلمحه في حائط القبة في هذا المسجد حيث يتم إدماج المحراب والمنبر، ببساطة وسهولة، فالمحراب الذي تحدده عقود نصف دائرية متراجعة في كتلة البناء ولا يحمل من الزخارف شيئاً إلا الأعمدة الجانبية التي تحمل كتلة العقود النحتية وفي قلب هذا الفراغ المنحوت ينهض المنبر بسيطا مقتصرا على أبعاده الوظيفية، تماماً كما تعودنا في معظم مساجد الإمارات، في انعكاس مباشرة للذوق المحلي الذي يأبى المبالغة ولا يميل إلى الإسراف ولا التكلف.

كامل يوسف- تصوير: محمد شاهين