الابتهال هو فن مصري خالص ارتبط بحب الله وبالصفاء الروحي والسمو بالذات، ولقد اختلف المؤرخون حول نشأة الابتهال كتراث شعبي لتعدد الرؤى حول جذوره فالبعض يرجعه للعصر الفرعوني والبعض للعهد الفاطمي، إلا أنهم يتفقون على أنه يعني الإخلاص في الدعاء.

ومن ثم فهو لون فني ضارب بجذوره في التراث المصري، فهذا الفن ظاهرة مصرية أصيلة راسخة في وجدان المصريين منذ العصور القديمة كاحتفالات الآلهة رع وآمون وإيزيس التي صورتها لنا جدران المعابد بالتفصيل لنشاهد فيها حاملي الأعلام والعازفين والمنشدين بمصاحبة مجموعات موسيقية.ويؤكد علم البرديات كل ما سبق، بل ويشدد على أنه وجد في كثير من البرديات نصوصاً دينية تحمل الدعاء والابتهال إلى الإله الخاص بكل حقبة، وهكذا يعد الابتهال بمثابة تعبير عن فلسفة تراثية شعبية ممتدة من العصور القديمة, كما وجد ذلك في المعبد القديم ولكن اصطبغت تلك الفلسفة بصبغة كل دين ظهر على أرض مصر وحينما جاء الإسلام تبلورت ودخلت في فلسفته، وعلي ذلك فإن فن المدح والابتهال كان موجودا منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تطور بعد ذلك وتعددت أشكاله مثل التي نراها اليوم.

لذلك كله يعد الابتهال أو الإنشاد أغنى أنواع الأداء الموسيقي سواء في المقامات أو أسلوب الأداء فهو يعتبر مصدرا للتعلم حيث استقى كل من الشيخ أبو العلا محمد وسلامة حجازي وزكريا أحمد وسيد درويش وأم كلثوم معطيات الموسيقي ومفرداتها من معين الابتهال الديني، إلا أن فن الابتهال يمر الآن بمرحلة من الاضمحلال، وترجع إلى أنه لم يعد هناك من المناسبات ما يستوجب أداء الابتهال .وكذلك التغير الثقافي من إزاحة وإحلال فبدلا من مدرسة المشايخ أصبح الآن المعاهد الموسيقية والمساحات الضيقة في وسائل الإعلام المختلفة وإن وجد شيء فهو مبتسر ومجزأ وغير متقن. الأماني ممكنة ولكن على الرغم من ذلك لا يزال المعين المصري ينضح بأصوات ندية وكأنها ألحان من رب السماء وهب إياها لمصر لتكون علامة على التفرد والتميز في عالم الإنشاد الديني، وربما يكون الشيخ سعيد حافظ أحد هذه الأصوات، التي تثبت أن الأمر لا يزال في مرحلة يمكن النهوض منها، فالساحة تعاني الضعف وليس العجز الكلي، وما دام هناك قشة أمام الغريق فالأمل يظل يراوده.

ولد الشيخ سعيد حسن حافظ إدريس وشهرته سعيد حافظ بمدينة القصاصين الكائنة بمحافظة الإسماعيلية شرق القاهرة، وذلك في اليوم التاسع من شهر أكتوبر عام 1951م، لأسرة يغلب عليها التدين وحب كلام الله، والسهر على حفظه وتأويله، ومن ثم ما كاد الطفل يقدر على النطق إلا وأخذه والده من يده إلى كتاب القرية ليبدأ في حفظ القرآن الكريم.

وبالفعل بدأت الرحلة مع كتاب الله على يد الشيخين محمد رشوان ومحمد الضوي، ليبدأ الشيخ الصغير مشوار التتلمذ على يد كبار مشايخ تحفيظ القرآن ليس في مدينة القصاصين فحسب بل في منطقة القناة ككل، فالمشايخ حسن أبو ستة ومحمد رشوان وعبد الرشيد عهدوا على أنفسهم أن يجعلوا من هذا الطفل الكفيف نموذجا للتميز.

أتم الشيخ سعيد حافظ حفظ كتاب الله وعمره اثني عشر عاما وبدأ في البحث عمن يساعده على اتقان قواعد التلاوة والتجويد، ليس هذا فحسب بل شجع الشيخ سعيد كل من يسمعه على البحث عن سبيل مناسب لاستغلال قدراته الصوتية الفائقة، فالشيخ يمتلك حنجرة ذهبية، لذلك قرر السفر إلى القاهرة ولا يزال عمره لا يتعدى السابعة عشرة، والتحق بقسم الدراسات الموسيقية بمركز المكفوفين، وتخرج فيه عام 1971م.

تأهيل مهني وعقب انتهائه من الدراسة بقسم الدراسات الموسيقية بمركز المكفوفين، حصل الشيخ سعيد حافظ على شهادة التأهيل المهني في التعبئة والتغليف، ومن ثم تم تعيينه في شركة القاهرة للزيوت والصابون، وجاءت هذه الوظيفة بالنسبة للشيخ الكفيف بمثابة فرصة سانحة للتركيز في دراسة المقامات الموسيقية.

بدأ مشوار الشيخ سعيد حافظ بعد عمله بشركة القاهرة عن موسيقي جيد يتعلم على يديه أصول الطرب والتقسيم الموسيقي، وفي هذه الآونة لم يجده أمامه أمهر من الموسيقار أحمد المحلاوي، الذي بدأ في دراسة المقامات الموسيقية والموشحات والطقاطيق على يديه مجانا أو بالأحرى بمنحة من الموسيقار أحمد شفيق أبو عوف، وعقب انتهائه من دراسة الموسيقى التحق بإحدى الفرق الموسيقية وأول أجر تقاضاه كان جنيها واحدا، كما غني في برامج الهواة في الإذاعة.

ذاعت شهرة الشيخ سعيد حافظ كمبتهل ومنشد كل أرجاء القاهرة، وبدأ يتوافد عليه المعجبون، وهنا شجعه البعض على التقدم لاختبارات الإذاعة لكي يعتمد كمبتهل فيها، وبالفعل تقدم في شهر نوفمبر عام 1979م للاختبارات؛ ليتم اعتماده مبتهلا بالإذاعة والتليفزيون، ولتكون مشاركته الأولى بعد الاعتماد في الأمسية، التي أقيمت بمسجد الشيخ سلامة الراضي وأذيعت على الهواء مباشرة.

أول أغنية

كانت أول أغنية دينية قدمها الشيخ سعيد حافظ بالإذاعة من كلمات الشاعر عبد المجيد عبد الفتاح وألحان الموسيقار أحمد عبد القادر، وهي بعنوان «يا رب»، ونذكر منها هذا المقطع:

يا رب اهديني

وبسترك أحميني

يا رافع السماوات

وسامع الدعوات

وفي عام 1983م قدم الشيخ سعيد حافظ استقالته إلى الشركة التي يعمل بها وتم تعيينه بالمسرح القومي، واعتمد مطربا بالمجلس الأعلى للثقافة وشارك بالإنشاد الديني في الليلة المحمدية الأولى.

صوت مألوف

يذكر صوت الشيخ سعيد حافظ أصبح من الأصوات المألوفة للمستمعين منذ شارك الفنان محمد الحلو في أغنية الشهيرة «يا حبيبي»، حيث جاءت مشاركته مثمرة ساهمت بشكل كبير في إنجاح الأغنية، وربما أعاد ذلك الأذهان إلى مشاركات عبد السلام النابلسي للمطرب عبد الحليم حافظ أحد أغنياته.

كما شارك الشيخ سعيد أيضا الفنان أيمان البحر درويش في أغنية «يا رسول الله يا ابن عبد الله»، هذه الأغنية التي نالت إعجاب كل من استمع إليها. وعقب استقراره في القاهرة، تعرف الشيخ سعيد حافظ على فتاة اسكندرانية تدعي «نادية»، ليعشق كل طرف الآخر ولينتهي الأمر بالزواج الميمون الذي ترتب عليه أن رزقهم الله تعالى بطفلة تدعى «عالية».

وهكذا استطاع الشيخ سعيد حافظ خلال مشواره الممتد مع الإذاعة المصرية أن يحفر لنفسه مكانة بارزة بين المبتهلين وذلك بإصراره على إدراك النجاح الذي لا بديل عنه، وربما يتضح ذلك جليا من الاستماع إلى أحد ابتهالاته المتعددة والتي أذكر منها: «خير الذكر - عفوك ورضاك يا رب - عفوك ورضاك - لا إله إلا الله «ابتهال مع أذان» - يا من بهديك أفلح السعدا».