الحديث عن صاحب الموافقات القرآنية الفاروق عمر بن الخطاب لا يمكن أن تكفي فيه عشرات الحلقات ولكننا سنحاول أن نقتضب بقدر الإمكان. فعمر وهو بين الموت والحياة على فراشه من أثر تلك الطعنات الغادرة التي سددها إليه المأفون أبو لؤلؤة المجوسي طلب من ابن عباس أن يتوجه إلى الناس فيسألهم إن كان هذا القاتل فعل فعلته بإيعاز من أحد منهم رغم أنه على يقين من أن أحداً في الداخل لا يمكن أن يكون ساخطاً عليه أو كارهاً له ولكنه طلب ذلك من باب «ليطمئن قلبي» .

وعندما تأكد من سلامة الجبهة الداخلية راح يفكر في مثواه الأخير وهل أفضل من أن يكون بجوار صاحبيه رسول الله صلى الله عليه وسلم والصديق أبي بكر رضي الله عنه في حجرة عائشة رضي الله عنها.وكان في إمكانه أن يوصي بذلك ووصيته كانت ستنفذ، ولكن عمر رافع الشورى، ظلت هذه الشورى ديدناً له حتى في لحظاته الأخيرة فقال لابنه عبدالله: انطلق إلى عائشة أم المؤمنين فقل لها يقرئك السلام عمر ولا تقل أمير المؤمنين فإني لست اليوم أميراً للمؤمنين، وقل لها يستأذنك عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه.مضى عبدالله بن عمر إلى أم المؤمنين فألفاها تبكي فأبلغها رسالة أبيه فقالت: كنت أريده (أي هذا القبر الذي طلبه عمر) لنفسي إلى جانب والدي وزوجي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأوثرنه اليوم على نفسي. وعندما عاد عبدالله بالرد إلى أبيه لم يتركه حتى يقوله من لهفته على هذا الأمر فبادره: ما لديك؟ قال: الذي تحب يا أمير المؤمنين، أذنت. قالت عمر: الحمدلله، ما كان شيء أهم إليَّ من ذلك، ثم ماذا بعد يا ابن الخطاب؟

التفت بعد ذلك إلى أمر هو من الأهمية أيضاً بمكان من نفسه، ذلكم هو أمر الخلافة من بعده. وفي هذه الأثناء التي راح يفكر فيها بأمر الخلافة دخلت عليه ابنته حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها، وكان الخاطر بينها وبين أبيها مشتركاً، كيف لا وهي ذرية بعضها من بعض.

سألها عمر عن حال الناس فأخبرته ثم قالت: إني سمعت الناس يقولون مقالة فآليت أن أقولها ذلك، زعموا أنك غير مستخلف، ثم علقت على ذلك بقولها: «أرأيت لو أنك بعثت إلى قيم أرضك، ألم تكن تحب أن يستخلف مكانه حتى يرجع إلى الأرض؟ قال: بلى. قالت: أرأيت لو بعثت إلى راعي غنمك، ألم تكن تحب أن يستخلف رجلاً حتى يرجع؟

فماذا تقول لله عز وجل إذا لقيته ولم تستخلف على عباده؟ هنا أصابت عمر كآبة من حديث ابنته وهو حديث منطقي، ولكنه لم يجبها على الفور بل نكس رأسه طويلاً (علامة التفكير في الموضوع) ثم رفع رأسه وقال: إن الله تعالى حافظ دينه وأي ذلك أفعل فقد سن لي (يعني استخلفت أم لم استخلف) إن لم استخلف فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستخلف، وان استخلفت فقد استخلف أبو بكر.

هذا عمر، تريد ابنته ـ من سياق حديثها ــ له أن يستخلف أحداً من بعده، يرشحه في حياته وتذكره في ذلك بأمر هو يخشاه وترتعد منه فرائصه وهو سؤال المولى عز وجل له عن هذا الأمر يوم القيامة فلا يجيبها على عجل وإنما يستحضر الموقف ويستعرضه في ذهنه، فإن هو لم يستخلف فقد مضى على ما مضى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وان هو استخلف فلا خوف عليه أيضاً لأنه يتصرف في ذلك على نهج أبي بكر رضي الله عنه وهو في كلتا الحالتين لا يخرج عن النهج الرباني، ولأنه يسمع الحجج والتناصح لآخر لحظة في حياته، فقد سمع لابنته حفصة حجتها. وفي هذا الطرح أمام عمر خياران، خيار رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدم الاستخلاف، وخيار أبي بكر الذي استخلف، فأي الخيارين تراه يأخذ؟

أيقنت حفصة رضي الله عنها أن أباها الذي لم يكن يعدل برسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً سيأخذ بخياره في عدم الاستخلاف.

يقول الأستاذ عدنان النحوي «إن عمر رضي الله عنه وقبل أن يأخذ بقرار عدم الاستخلاف استعرض واقع المسلمين بكل تفاصيله، استعرض النفر الموجودين واستعرض التاريخ والسبق واستعرض العلم والقدرة، واستعرض قلوب الناس ومشاعرهم فلو أنه رأى الرجل الواحد الذي لا يختلف عليه اثنان فلعله كان قد استخلف» معنى ذلك أن عمر خشي أن يرشح أحداً ولا يرضاه الجميع فتكون مسؤولية كبرى.

روي انه استند إلى ابن عباس وقال: اعلموا أني لم أقل في الكلالة شيئاً ولم استخلف من بعدي أحداً وأنه من أدرك وفاتي من سبي العرب فهو حر من مال الله. هذه إذن أمور ثلاثة حددها وهو في حالته تلك يريد أن يؤكد أنه يواجه ربه ولم يتخذ بشأنها شيئاً، لكن أصحابه لم يسكتوا قال له سعيد بن زياد: إنك لو أشرت برجل من المسلمين، ائتمنك الناس.

فقال عمر: قد رأيت من أصحابي حرصاً سيئاً، واني جاعل هذا الأمر إلى هؤلاء النفر الستة الذين مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، ثم أردف: لو أدركني أحد رجلين فجعلت هذا الأمر إليه لوثقت به: سالم مولى ابن حذيفة وأبو عبيدة بن الجراح (وكلا الرجلين قد سلف) فإن سألني ربي عن أبي عبيدة قلت: سمعت نبيك يقول: إنه أمين هذه الأمة وان سألني عن سالم قلت: سمعت نبيك يقول: إن سالماً شديد الحب لله. أرأيتم؟!

انه دائماً يتحرى أن يكون المزكى من رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الأصلح للأمة، وهو بالتالي المرضي من الله وهذا يدل على أن عمر رضي الله عنه كان شديد الحرص على التمسك بنص يسمعه من كتاب أو سنة وفي ترشيح أحد للاستخلاف إن كان لابد من استخلاف ــ وهو أمر لازم ــ رأيناه يرجع إلى نص من السنة وعاه عن رسول الله في موقفه ذاك.

إذن هو قد اتخذ قرارين: أولهما أن لا يستخلف أحداً بعينه من بعده، والثاني أن جعل الأمر شورى بين ستة مرشحين قدمهم للناس ومضى إلى ربه وللموضوع بقية تذييل:نذكر أن اليوم هو يوم انتصار بدر: يوم الفرقان فكل عام والإسلام والمسلمون بألف خير.