لكل شاشة حكاية، أما هو فله مع الشاشات حكايات بدأت في مرحلة الطفولة، وما زالت فصولها تتوالى منتقلة به من شاشة إلى شاشة. هو لا يعرف إلى أين ستقوده هذه الرحلة، أو بتعبير سينمائي؛ متى ستظهر كلمة النهاية على الشاشة، لكنه يعرف أن للحياة شاشات وحكايات كثيرة.

في زمن البدايات بدأت حكايته مع الشاشات، وكانت الشاشة الأولى في حياته صغيرة جدا، تتناسب مع حجم الراديو الترانزيستور الصغير الذي أحدث وقتها ثورة في عالمه، مثلما أحدث في العالم ثورة عندما تم اختراعه.

كان الترانزيستور حلما من أحلام حياته التي حققها بتوفير ثمنه من مصروفه الخاص ليتمكن من اقتناء هذا الجهاز الذي حبس نفسه في عالمه وظل ملازما لشاشته الصغيرة، يتنقل من إذاعة إلى أخرى، تستهويه البرامج المختلفة التي أصبح يحفظ أسماء مقدميها ويميز أصواتهم رغم حداثة سنه. كانت المسلسلات الإذاعية تشده إلى درجة أنه شرع في كتابة مسلسل بوليسي، لكنها كانت محاولة لم تكتمل من طفل لم يُتمّ عامه الثامن بعد.

وكانت الشاشة الثانية في حياته أكبر من شاشة الترانزيستور. حدث هذا مع دخول التلفزيون إلى عالمه، أو دخوله هو هذا العالم منبهرا بالشاشة التي أطلقوا عليها وقتها «الشاشة الفضية».

في تلك المرحلة من حياته لم يتصور إطلاقا أن أقداره سوف تحمله يوما إلى هذا العالم العجيب الذي ظل مبهورا به سنوات الطفولة حيث تَشكّل وجدانه، وانطبعت في ذاكرته مجموعة من البرامج والمسلسلات التي كانت تبثها وقتها محطتا تلفزيون «الكويت» و«أرامكو».

بعدها بسنوات قادته أقداره إلى أول محطة تلفزيونية تبدأ بثها في بلده بعد أن أهدتها دولة الكويت للإمارات ليصبح اسمها (تلفزيون الإمارات العربية من دبي) بدلا من (تلفزيون الكويت من دبي). دخلها لإجراء لقاء معه في برنامج أدبي ليخرج منها بعرض للعمل مذيعا فاستهوته الفكرة وبدأها على سبيل التجريب ليخرج منها بعد ربع قرن تقريبا بحصيلة يعتقد أنها شكلت الجزء الأهم والأكثر أثرا في حياته.

بعد ذلك دخلت على الخط شاشات أخرى؛ منها شاشة السينما التي كان موعده الأول معها في «سينما الوطن» أول دار عرض سينمائي تُنشأ في دبي، حيث حظي - بعد محاولات إقناع عديدة للأهل - بمشاهدة فيلم «المماليك» من بطولة عمر الشريف، وكان هذا حدثا غير عادي في حياته.

ثم مرت فترة زمنية ليست بالقصيرة قبل أن تدخل حياته شاشة الكمبيوتر لتحتل موقعا مهما منها، وتصبح مرتبطة بها على النحو الذي لم يعد معه بالإمكان الاستغناء عنها بعد أن تحول العالم إلى غرفة إلكترونية جدرانها من شاشات تتحكم فيها مجموعة من الفارات.

شاشة واحدة ظل بينه وبينها جفاء لا يعرف سببه ولم يكن هو المتسبب فيه يوما، شاشة كثيرا ما تمنى لو استطاع أن يزيل حاجز الرهبة بينها وبينه لتنفتح له طاقة القدر وتتبدل أحواله، شاشة يعشقها الجميع لكنها هي التي تختار عشاقها، تقرّب من تشاء إليها وتقصي من تشاء عنها.

إنها شاشة البورصة التي لا يعرف متى ستنتهي الفجوة بينه وبينها ليتوج حياته بملكة الشاشات ومعشوقة الجماهير التي إذا اخضرّت ابتسم الحظ لعشاقها وإذا احمرت عبست الحياة في وجوههم. ويوم أن يحدث هذا التقارب بينه وبينها تكون قد اكتملت الحلقة وتحققت النهاية السعيدة التي كثيرا ما أنهت الشاشات بها عروضها، حتى لو كان هذا ضربا من الخيال الذي تزخر به الشاشات إلا هذه الشاشة التي تتعامل مع الواقع، مهما كان طعم هذا الواقع وشكله ولونه.

aliobaid2000@yahoo.com