على الرغم من انشغاله فترة الصباح في ممارسة عمله كمدير لشركة عائلته في مجالات العقارات وتزويد السفن والمقاولات ومواد البناء إلا أن موهبته الأساسية في الرسم فرضت نفسها على شخصيته وحياته من خلال إنشاء مرسم خاص له يقضي فيه الوقت خلال المساء يعلم من خلاله الأشخاص الموهوبين ويمنحهم دورات بتقنيات مختلفة.

وهو ما دفع الإماراتي مطر بن لاحج أن يكون كالماكينة التي لا تهدأ من أجل دفع الحركة الفنية في الدولة ودعم المواطنين بشكل عام معترفا أن وجوده في المرسم سرقه من عائلته المكونة من خمسة أبناء ، إلا أن شهر رمضان المبارك يعتبر الشهر الوحيد الذي يمكنه من التقرب أكثر إليهم ويمنح وقته لأداء فرائض العبادة وتبادل الحوارات والنقاشات معهم . خلال الحوار الذي أجريناه مع مطر بن لاحج أطلق العديد من الثغرات التي يعاني منها مجتمعنا المحلي فيما يتعلق بالحركة الفنية من جهة ، والقصور الذي يلازم وزارة التربية والتعليم فيما يتعلق بحصص الفنية التي يتم تدريسها في المدارس وما تعانيه جامعاتنا بمجالات التربية الفنية ، والنظرة السلبية التي يحملها المجتمع لمهنة الرسام ،الأمر الذي أدى إلى قلة وجود فنانين تشكيلين من الرجال في الدولة الذين هم بعدد الأصابع ، وغيرها الكثير من الأمور التي تقلق بال مطر فيما يتعلق بالفن التشكيلي وكان معه تلك الحوار:

* بداية نود التعرف أكثر عن بدايات مطر الدراسية والعملية ؟ حصلت على بكالوريوس علم الاجتماع من جامعة الإمارات على الرغم من ابتعاده تماما عن طموحاتي وميولي ومهارتي الشخصية التي تتجسد حول الرسم والفن التشكيلي مرجعا ذلك إلى غياب التخصص الذي يرغب فيه مما الجامعة دفعه للتوجه إلى تخصص لا يجد نفسه فيه . موضحا أن الموهبة تولدت بداخلي بالفطرة حيث تم اكتشاف هذه الموهبة منذ أن كنت في السابعة من العمر وبدأت حينها بتقليد الخادم في المنزل الذي كان يرسم رموز بسيطة على الأرض بأشكال معينة وكنت أعمل على تطبيقها إلى أن استخدمت الفحم محاولة مني في رسم أشكال مختلفة في أماكن عديدة ، أما نقطة البداية الحقيقية لي لاستمرارية الرسم عندما كنت في مرحلة رياض الأطفال.

وتمكنت دون زملائي من رسم "سيارة" الأمر الذي جعل معلمتي من منحي هدية وأمرت زملائي الأطفال بالتصفيق لي ،مما جعلني إلى الآن أحتفظ بهذا الموقف في مخيلتي ويعتبر بمثابة شهادة انطلاق في عالم الرسم والفن التشكيلي بالنسبة لي ، أما في مرحلة المدرسة الابتدائية والإعدادية فكانت رسوماتي بسيطة لأسباب تعود إلى عدم وجود منهج حقيقي في المدارس حتى يومنا هذا معني في مجال التربية الفنية ويتم التعامل معها كأنها نشاط عادي دون البحث عن إيجاد الموهوب وصقله بشكل أكبر . وأضاف: يعتبر من إحدى المواقف الذي كان له أثرا سلبيا على موهبتي هي في المرحلة الإعدادية والتي من خلالها رسمت أول رسمه كاملة عن "الغوص" باستخدام قلم الرصاص مما دفع المعلم إلى أن يقول لي " أنت كاذب" وهذه ليست من رسوماتك وان هناك شخص ساعدك عليها .

الأمر الذي ترك بداخلي صدمة كبيرة قررت بعدها عدم المشاركة في أي نشاط فني في المدرسة وتم طردي من كل حصة فنية إلا أن رغبتي في الرسم دفعتني إلى مساعدة أصدقائي فقط ، والسعي إلى اكتساب أساسيات الرسم وتطبيقها في المنزل وأعمل لذاتي حصة منزلية لذلك أنا الوحيد الذي علم نفسي بنفسي الفن التشكيلي والسعي إلى الاطلاع المكثف على الكتب الخاصة بالرسم وكيفية تقسيم اللوحة بأبعادها مع حضور المعارض والسعي إلى اكتشاف أنواع الرسم والتدريب المستمر هو الذي صقل موهبتي ولم أتلق الفن من يد الرسامين .

مشيرا إلى أنه منذ الصغر كان يراوده حلم بفتح مشروع خاص به يدعم الحركة الفنية واكتشاف المواهب فكان يردد وهو صغير رغبته في فتح دكان للرسم بعدها صالة للرسم ، أو جمعية للرسم ، إلى أن وصل للمرحلة الثانوية وتمنى أن يكون لديه مشروع خاص به كمرسم وهو ما حققه فيما بعد من خلال إيجاد مرسم مطر على أرض الواقع .

وعن خطواته العملية يقول مطر بن لاحج : في عام 1992 شجعني والدي على العمل الحر من خلال منحي فرصة لإدارة مؤسسة خاصة للأعمال الفنية في عمر لم أتجاوز حينها 22 سنة وكنت قليل الخبرة في مجال قيادة و تأسيس العمل التجاري الفني فعملت على بيع اللوحات التي أرسمها وعمل البراويز المناسبة مع المشاركة المحدودة في المعارض البسيطة إلى أن تقربت من خلال الرسم إلى الاطلاع في فن التصميم الداخلي فنجحت إلى تحويل المؤسسة من أعمال فنية إلى مفروشات وتصميم داخلي من خلال تصميم الأثاث وبيعه ووصلت حينها إلى رضا وقبول الناس وهو ما جعلني أفكر بطريقة جادة إلى تأسيس "منجرة" صغيرة أنفذ من خلالها تصاميمي المختلفة حتى تطور الأمر بعدها وأصبحت المنجرة مصنعا للمفروشات والديكور الداخلي .

وفي عام 2003 برزت الفكرة بشكل أكبر في إنشاء مركز للفنون التشكيلية وبعد ها تبلورت الفكرة بشكل أوسع بايجاد مرسم مطر الذي من خلاله أردت صقل المواهب الفنية وتذليل العقبات أمام الموهوب في شتى مجالات الفنون التشكيلية والسعي إلى بناء قاعدة منتجة في الفن التشكيلي كما أن هدفي من المرسم ليس لعمل شهرة لمطر الرسام بل اكتشاف الموهوب ، إلى جانب عملي في الوقت الحالي كمدير شركة العائلة المعنية المتخصصة بأعمال العقارات والمقاولات وتزويد السفن ومواد البناء .

إلغاء حصص الفنية

* المعروف أنه خلال المرحلة الثانوية تنقطع حصص الفنية وبالتالي الكثير من الطلبة يصرفون نظرهم عن ممارسة هوايتهم، ما الذي دفعك إلى استكمال السير في صقل هوايتك ؟ .

لاشك أن البداية الصحيحة للرسام الموهوب تبدأ بعد سن 13 سنة من العمر لأنه يدرك تماما عمله ومنبع مهارته والى أن يتمكن من إيجاد الطريق السليم لموهبته يجد البتر أمامه خلال المرحلة الثانوية بإلغاء حصص الفنية.

وبالتالي تم إبعاد الموهوب عن موهبته وموتها بداخله مما يؤدي إلى قلة أعداد الفنانين لدينا في المجتمع ، الأمر الذي يتطلب من وزارة التربية والتعليم الحرص على إنشاء وخلق موهوب فنيا من خلال إلغاء حصة الفنية والعمل على إيجاد مراكز حرة في المدارس بديلا لها تجسد الأرضية الخصبة بمعدل مركز في مدرسة يجاورها مدارس متعددة .

بحيث يحتوي المركز على كافة الأدوات والوسائل الفنية بهدف احتواء الموهوبين بشكل أكبر والعمل على ترقية معلمي الفنية إلى فنانين يشرفون على المراكز واكتشاف الموهوبين ، مؤكدا على أن حصص الفنية فاشلة في المدارس لأنها تعتبر كنشاط ولا يوجد لها منهج كما أن الحصة موجهه لكافة الطلبة حتى الذين لا يرغبون في الرسم .

* ما رأيك في منهج التربية الفنية الذي يتم تدريسه في جامعة الإمارات ويخرج من خلاله معلمات يعملن في قطاع التدريس؟

منهج الفنية في الجامعة يتمكن من إخراج معلمات مؤديات و مشرفات في مجال التربية الفنية ولسن مبدعات وذلك لأن الإبداع يتم من خلال الصقل الصحيح في هذا المجال وهو ما نفتقده بالدولة من مراكز متخصصة تقوم بهذه المهمة، إضافة إلى أن المنهج الدراسي في الجامعة يفتقد لإدراك المنابع الأساسية حول الفنية وأساسياته الصحيحة كما أنه يفتقد التدريب على أن يكون المعلم مبدع الأمر الذي يتطلب ضرورة وضع منهج متكامل في التربية الفنية يساهم في صقل الشخصية .

* وما مستوى دراسة الفن التشكيلي في جامعاتنا المحلية ؟

المستوى قليل وأغلبية الذين يدرسون تخصص الفنون يتجهون إلى أسهل هذه الفنون وهو تصميم برامج الحاسوب " الجرافيك" أما الرسم فلا يجد له الدعم لأن الثقافة المجتمعية المرتبطة فيه معدومة.

* كم بلغ عدد الفنانين الإماراتيين بالدولة وما أسباب قلة وجود الذكور تحديدا ؟

يوجد حوالي ست فنانين إماراتيين معروفين تمكنوا من إثبات أعمالهم على الساحة الفنية بالدولة ويرجع هذا العدد القليل إلى أسباب مختلفة تعود إلى أنه وللأسف الشديد أن الفن التشكيلي من التخصصات التي ينظر إليها بالهامشية ولا فائدة لها في المجتمع كما ينظر إلى الرسام بزاوية ضيقة دون أن يجد له الدعم المادي والمعنوي .

إضافة إلى أنه لايزال يغيب الوعي بأهمية الفن في الدولة بين أفراد المجتمع والمؤسسات المختلفة التي لم تهيأ الأرضية المناسبة التي تشجع أصحاب الموهبة منذ الصغر بالتوجه إلى هذا التخصص ، ولو كان لدينا اهتمام ودعم فني مثل الدعم الرياضي سنتمكن من إخراج جيل من الرسامين الموهوبين كالأجيال الرياضية التي يتم دعمهم من قبل كافة الفئات والجهات المجتمعية .

إضافة إلى عدم وجود أماكن تشجع على اكتشاف وظهور المواهب كالمراسم الحرة أوالمراكز الفنية العربية حيث يتواجد منها اثنين فقط على مستوى الدولة في حين تكثر المراكز الأجنبية فيها ، مع وجود جمعية واحدة فقط في الفنون التشكيلية بالشارقة وغياب الآلية المحددة لوجود مراكز إقليمية في الدولة .

كما أن العائلة الإماراتية لا تمتلك قدرة كبيرة في اكتشاف منبع أبنائها من الموهبة وتوجيههم بشكل سليم واستخراج الطاقات ، مشيرا إلى أن الرسم له مستقبل كبير في حالة واحدة وهي أن تأخذ الدولة بعين الاعتبار أيجاد قيمة حقيقية للرسام والفنان التشكيلي من خلال وجود آلية مدروسة حول الفن ودعمه بطريقة صحيحة حتى نتمكن من عمل ماركة عالمية للرسام الإماراتي .

ومن جهة أخرى فان اللوم الأكبر نوجهه إلى فناني الدولة المقصرين في خدمة المجتمع من ناحية تعليم وتدريب الموهوبين ودعم الفن بشكل كبير وإبرازه في المجتمع. * ما النتائج التي حصلت عليها بعد إجرائك لدراسة حول تعليم الفن التشكيلي في الدولة ومدى صحة تدريسه ؟

في البداية اتضح لي أن وزارة التربية والتعليم تفتقد لوجود منهج يساعد المعلمين على اكتشاف مواهب جديدة في مجال الفن كما أن المعلمين أنفسهم مظلومين لأنهم يفتقدون الأرضية الخصبة التي تحث على الإبداع ،و قلة عمل الدورات التي تصقل الموهبة والمراكز التي تساعد في ذلك على الرغم من أنهن يمتلكن رغبة في التعلم ولديهن إحساس عالي في الرسم .

كما أن المناهج وخط الفن التشكيلي ليس مهيأ بشكل كامل لإنتاج فنانات فنجد المعلمات هن اللواتي يدعمن أنفسهن من خلال البحث عن الوسائل الجديدة، ومن جهة أخرى توصلت إلى نتيجة وهي أن المراكز الفنية العربية في الدولة قليلة جدا لا تتعدى الاثنان فقط وأن تجارة الفن عندنا لا تدار إلا بأيدي أجنبية .

* وماذا عن جمعية الإمارات للفنون التشكيلية ؟

الجمعية كانت في بداياتها أفضل وهي التي وجدت ميناء لبحر الفن ليرسى من خلاله الفنان إلا أنها في المقابل ليست فاعلة في اكتشاف المواهب الفنية الجديدة كما أنها لا تساهم في التعاون مع وزارة التربية والتعليم في وضع منهاج تأسيسي متكامل متفق عليه يساعد على خلق جيل من الفنانين الرسامين الأمر الذي يتطلب من القائمين عليها أن يكون لهذه الجمعية دور كبير في المجتمع من خلال التعاون مع الجامعات والمدارس .

ومراكز الفن العربية لتصحيح مفهوم الفن والرسام في المجتمع ، إلا أنه في المقابل فهناك نظرة ثاقبة من قبل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي بإعطاء كل منظومة في الدولة حقها من خلال وجود دائرة خاصة لإدارة هذا النوع من النشاط .

وهو مجلس دبي الثقافي الذي يعتبر الداعم الأساسي للفن التشكيلي في دبي والذي ساهم في حصر الحركة الفنية في الإمارة سواء كانت عربية أو أجنبية وحصر المراكز العربية الفنية والأجنبية وضمها للمجلس مع دوره في حصر الفنانين الموجودين في الدولة باعتبارهم رسامين معترف فيهم بحيث يعتبر الحصر كاعتراف رسمي بدورهم الأساسي في المجتمع لا سيما أن الكوادر الموجودة في المجلس يمتلكون حماسا كبيرا في الأخذ بأيدي الفنانين الرسامين .

منتجع فني

* ما الصعوبات التي واجهتك في هذه المهنة داخل المجتمع ؟

تعتبر الصعوبات كبيرة بشأن مهنة الرسم والفن التشكيلي وخاصة فيما يتعلق بإمكانية الحصول على موافقة لفتح مشروع خاص يدعم موهبة الفن نظرا لقلة الوعي المجتمعي حول تلك المهنة .

إضافة إلى أن مجتمع الإمارات يسعى إلى استقطاب مراكز فنية عالمية لمعتقدات أنها الأفضل دون أن يعيرون أي اهتمام بالمواهب الفنية المحلية التي وان تم دعمها سيكون هناك نماذج ناجحة بحجم الفنانين العالميين ، مؤكدا أن الإهمال سيساهم في قتل الفن الإماراتي ، لذلك فان أبرز محاولاتي وطموحاتي المقبلة في تطوير الفن التشكيلي في الدولة الحصول على مكان واسع أؤسس من خلاله وبمالي الخاص ما يسمى " منتجع فني " يكون بمثابة دعم المواهب الفنية في الدولة وخلق جيل من الفنانين بشكل حقيقي .

* من خلال وجود مرسم مطر ما الرسالة الحقيقية التي أوصلتها للمجتمع؟

بداية يعتبر المرسم المكان الذي أريد من خلاله اكتشاف المواهب الفنية عند أفراد المجتمع كبارا كانوا أو صغارا وتشجيعهم على رسم أفكارهم بكل دقة ووضوح ، إضافة إلى حرصي على تنفيذ دورات تدريبية في المدارس ومع معلمات التربية الفنية من خلال تعليمهن التقنيات الجديدة في الرسم التشكيلي وباستخدام أدوات مختلفة من أجل تطوير مهاراتهن .

ومنها تقنية "الرؤوس المطاطية"التي لم يتم استخدامها من قبل، فضلا عن حثهن على اكتشاف الموهوبات في المدرسة وتعزيز قيمة الرسم بداخلهن ، كما أنه ومن خلال المرسم تمكنت من المشاركة في العديد من المعارض والبالغ عددها عشرة ، مع إقامة 8 معارض خاصة بي في مختلف إمارات الدولة .

* ما الذي يختلف في حياة مطر خلال شهر رمضان المبارك ؟

شهر رمضان المبارك يعد الشهر الوحيد الذي نعيش من خلاله الأجواء الروحانية والتقرب إلى الله ، إلى جانب أنه يجعلني بيتوتي بحيث يقربني أكثر إلى عائلتي وأبنائي ونحرص على تبادل الأحاديث في مختلف الأمور، إلا أنني أجد أن شهر رمضان اختلف كثيرا بأجوائه عن الماضي .

حيث كان يعتبر من الأشهر التي تمنح الأفراد فرصة للالتقاء بكبار السن والأهل والأصدقاء داخل " المجالس" بينما في الفترة الحالية فان هذه التجمعات قلت لأسباب تعود ربما إلى طبيعة الحياة المتسارعة، كما أنني أتوقف عن حضور المعارض الفنية والتجمعات العملية في هذا الشهر الكريم .

حوار: منال خالد