أعظم نعمة أفاءها الله سبحانه على الإنسان هي نعمة العقل.. وأعظم وظيفة يؤديها عقل الإنسان هي التفكير وأخطر عملية تؤديها هذه الوظيفة هي الابتكار وفيها يسعد المخلوق بلذة الكشف.. وجمال التعرّف وروعة التجديد. لهذا استخلف الله الإنسان في الأرض.. وعهد إليه بواجب القوامة على ما تحفل به من موارد وثروات وإمكانات. صحيح أن هذا المخلوق البشري قد يخطئ.
ولكنه أيضا قد يصيب. وصحيح أن يدعو الإنسان أحيانا بالخير بقدر ما يدعو في أحيان أخرى بالشر.. لكنه في كل حال موكّل بمسؤولية عمران الكون وصون آلائه والتحدث بما يحفل به من نعمة سابغة أفاءها فاطر الأرض والسماوات على سائر المخلوقات التي تدب فوق أديم الأرض من بشر ومن حيوان ومن نبات ومما نعلمه وما لا يعلمه سوى فالق الحب والنوى سبحانه وتعالى.
التليفزيون إرسال الصورة أو بث المادة الحية المصورة كان فكرة راودت كثيرا من المخترعين منذ سنوات طويلة.. وربما منذ أن شغف الإنسان بالتعامل مع المرئيات سواء الدقيقة التي اخترع لها آلة الميكرسكوب كي يراها في أحجام أكبر، أو اخترع لها أداة التلسكوب كي يرى الأشياء والكائنات والموجودات البعيدة.. بصورة أقرب وهو ما يوحي به اشتقاق الكلمتين من أصلهما في لغة اليونان.
وإذا كان عباقرة من طراز «توماس أديسون» قد بدأوا بفكرة التعامل مع الصوت – البشري في الأساس – تسجيلا على اسطوانات الحاكي – الفونوغراف، أو بثا وإرسالا عبر موجات الأثير إلى حيث شب المذياع – الراديو عن الطوق، واجتاز – كما أسلفنا في مواضع أخرى من هذه الأحاديث – أطوار النضج إلى حد الاكتهال – فإن ثمة عباقرة آخرين انصبّ اهتمامهم على الصورة في الأساس.. وربما شمل هذا الاهتمام إضافة الصورة إلى الصوت كي يجري إرسالهما في إطار من التوافق والتزامن على جناح الفضاء.
ولأن الإبداع الإنساني ـــ كما نراه – أقرب إلى سلسلة متصلة الحلقات ومتكاملة المنجزات، فقد جاء اختراع البرق – التلغراف اللاسلكي رغم اقتصاره كما نعرف على لغة النقطة والشَرطة (بفتح الشين) – جاء ليفتح الطريق أمام اختراع جهاز تسجيل الصوت..
ومن ثم جهاز إرسال واستقبال الصوت المذاع على الهواء.. ثم يسلم هذا كله إلى فكرة التعامل مع الصورة، سواء بالتقاطها وإعادة عرضها بسرعة تكفي لخلق انطباع بالحركة، وهي الفكرة المحورية التي قامت عليها السينما التي تفضل إنجليزية انجلترا أن تصفها بأنها الصور المتحركة – أو سواء بتهيئة سبل البث المباشر للصورة كي يتم استقبالها على شاشة مخصوصة مركبة في جهاز مخصوص أصبح الآن جزءا لا يتجزأ من حياة إنسان العصر الراهن.
هكذا تراءت الفكرة الأولية – الخام البسيطة كما نصفها - لعقل وخيال المواطن الألماني «بول نبكو» الذي تقدم إلى مكتب الاختراعات في برلين طارحا فكرة وصفها بأنها «التلسكوب الكهربائي».. وكان ذلك في عام 1884.. ويقضي الرسم المرفق بهذه الفكرة القديمة بتصميم قرصين متطابقين يدوران حول محورين: أولهما في جهاز الاستقبال والثاني في جهاز الإرسال، ويضم كل قرص 24 ثقبا وخلايا ضوئية لنقل الصور.
وكان طبيعيا أن تظل الفكرة وجهازها في نطاق الريادة والتجريب.. والحاصل أن تلقفها «جون لوجي بيرد» المولود في اسكتلندا عام 1888 وعكف على تطويرها وبالأدق نقلها من مرحلة الفكرة – الخام إلى مستوى الفكرة العملية التي أفضت في نهاية المطاف إلى طرح أول جيل – رائد طبعا – من أجيال التليفزيون. حيث تقدم بيرد باختراعه ونال براءته من مكتب هاي جيت في لندن بتاريخ 26/7/1923. كان المخترع الاسكتلندي رجل أعمال قليل الحيلة.
وربما جاء تركيزه على البحوث العلمية والتطبيقية على حساب أكل عيشه فعاش تحت وطأة الفاقة وشحة الموارد.. لهذا كان يستخدم في اختراعه أي مواد تتاح أو أي إمكانات تطالها يداه لدرجة أن استخدم مثلا صناديق الشاي الفارغة وعلب البسكوت.. حتى أن الأقراص الدوارة لزوم الإرسال والاستقبال كانت مصنوعة من ورق الكارتون المقوّى..
في هذه الأحوال المضنية من البحث والتجديد والتطوير أمضى بيرد نحو 15 شهرا إلى أن حانت اللحظة التي قد نسميها تاريخية رغم أنها لم تكن كذلك بالنسبة لمن عاشوها.. ففي يوم الثاني من أكتوبر 1925.. طلب بيرد ومعاونوه من فرّاش الكتب الصبي تاينتون أن يقف أمام الكاميرا لأنه سوف «يظهر في التليفزيون»..
وحين تحركت الكاميرا لم تكد تظهر صورة، لأن الغلام ظل يتحرك مذعورا أو شبه مذعور وأيضا من فرط السخونة المنبثقة من الكاميرا «التاريخية والبدائية» لدرجة أن نفحوه عدة بنسات على سبيل الرشوة أو البقشيش لكي «يتفضل» ويصبح الفتى الفرّاش الإنجليزي ويليام تاينتون أول إنسان يظهر على شاشة تلفاز عبر التاريخ. مع ذلك فقد كانت لحظة تجريبية في المحل الأول.
أما العرض العلني لاختراع الجهاز المرئي العجيب فقد تم يوم 23 يناير عام 1926 وتصفه كتب تاريخ المرحلة بأنه «يوم العرض العام الأول» الذي قدم فيه جون بيرد إلى العالم جهاز تليفزيون ميكانيكيا ظهرت على شاشته الصورة أمام 40 من رواد المؤسسة الملكية الإنجليزية في مختبره بشارع فريث في لندن.. هنالك شاهد أعضاء المؤسسة الموقرون لأول مرة صورا حية لوجوه بشرية.. لا مجرد ظلال أو أشباح.
بعدها أقبلت الدنيا إلى حد ما على المخترع الاسكتلندي إذ دأب على تقديم عروضه المتلفزة بجهازه الميكانيكي في محلات سلفردج الشهيرة في لندن لقاء 20 جنيها استرلينيا في الأسبوع.
وهكذا ظل يواصل بحوثه وتجاربه.. لدرجة أن فكر في الصورة الملونة منذ أواخر العشرينات وإن ظلت أجهزته الميكانيكية تصيب عيون المشاهدين بالصداع من فرط اهتزاز الصورة.. الأمر الذي كان يقتضي بداهة التحول إلى الأجهزة الإلكترونية وهو ما توصل إليه الأميركي – الروسي الأصل فلاديمير زوركين الذي نشر اختراعه في عام 1938.
ورغم أن الجمع بين الصوت والصورة كان أمرا واعدا بكل مقياس.. وكان أداة مبشرة في مجالات الإعلام والدعاية والإعلان.. فالغريب أن قيام الحرب العالمية الثانية أدى إلى وقف الإرسال التليفزيوني وكان ذلك طبعا من حظ الراديو الذي ظل سيد الموقف طيلة سنوات الحرب التي زادت على الست.
وربما كان السبب هو أهمية استخدام الإرسال الصوتي لبث الإذاعات الدولية عبر البحار إلى مواقع الجنود المتمركزين ما بين طبرق والعلمين في شمال أفريقيا إلى قبرص ومالطة وسردينيا في غرب أوروبا إلى الفلبين وسائر الجزر المتناثرة في مياه الباسيفيك. هكذا ظل الناس يتعاملون مع الأجهزة المبسطة شبه البدائية التي كان التليفزيون فيها مصمما على طراز راديو أكبر حجما ولكنه مزود بشاشة صغيرة.
مع ذلك فلا يزال تاريخ التليفزيون يتوقف عند عام 1936 الذي شهد قرار هيئة الإذاعة البريطانية أن تتولى البث التلفزيوني لأول مرة من سراي ألكسندر في شمالي لندن.. فيما اختار الألمان برج أيفل الشهير في باريس لبث إرسالهم التليفزيوني في فترة احتلالهم فرنسا بين عامي 1942 و 1944.
وما زال العلماء والاختصاصيون مشغولين بأمر الآثار الاجتماعية التي أحدثها التليفزيون (وإلى حد ما الراديو) في حياة الناس ولا سيما بالنسبة للأجيال الصغيرة والشابة على اختلاف البيئات والمجتمعات.. وزاد هذا البعد السوسيولوجي لتكنولوجيا البث المرئي بعد دخول العالم عصر السموات المفتوحة عبر قنوات الإرسال الفضائي التي لا يمكن مراقبتها أو التحكم فيها أو السيطرة على مضمون رسالتها..
وعلى جناح هذه التأثيرات ازدهرت صناعة الإعلان التي أصبحت تستند إليها صناعة ومهنة التلفزة ذاتها.. ولدرجة أن تقول أحدث الدراسات: أن تكاليف الثلاثين ثانية (نصف دقيقة) من إعلان يذاع خلال برنامج «معبود الجماهير» على التلفزة الأميركية تصل إلى 750 ألف دولار. بمعنى مليون ونصف دولار في الدقيقة الواحدة.. وهو مبلغ يرونه هينا بل زهيدا.. لأن تكاليف نفس الثواني الثلاثين خلال إذاعة مباريات كأس العالم يمكن أن تصل إلى عدة ملايين من الدولارات... حظوظ!
التوجيه بالقدرة الهيدروليكية (باورستيرنغ)هو النظام الذي يستهدف تخفيف العبء عن كاهل الإنسان خلال قيادة السيارة من خلال استغلال قدرة خارجية غير بدنية تساعد على سلاسة توجيه عجلة القيادة في هذا الاتجاه أو ذاك.
الفكرة راودت كثيراً من المبتكرين والاختصاصيين والصناعيين. ولكنها لم تكن شديدة الإلحاح إلا مع الربع الثاني من القرن العشرين.. أولا مع زيادة إنتاج واستخدام الشاحنات الثقيلة والحاويات العملاقة.. وثانيا مع ازدياد مشاركة وإقبال المرأة على قيادة السيارات، الخاصة في البداية ثم السيارات التجارية من شاحنات وحافلات خفيفة أو ثقيلة في كثير من بلدان العالم. هكذا فكر «فرانسيس ديفيز»، كبير مهندسي شركة بيرس آرو أو السهم النافذ الأميركية للسيارات.
واصَلَ المهندس الشاطر قراءاته وبحوثه في بيته وفي مختبره الخاص فكان أن توصل إلى أن القدرة الهيدروليكية – المتولدة من المياه ومن السوائل المتحركة هي أفضل ما يمكن استخدامه في هذا المضمار.. بعدها فرضت عليه شطارته أن يستأثر وحده بأي أرباح من وراء تلك الفكرة أو الاختراع. لهذا استقال من الشركة ليؤسس شركة خاصة به من ناحية ويفيد أيضا من ناحية أخرى من مشورة أستاذ متخصص في دراسات الطاقة ينتمي إلى معهد ماساتشوستس الشهير للتكنولوجيا.
ولقد دار اختراعه على أساس ما وصفه بأنه «عامل تشغّيل» السيارة.. لإعانة قائدها أو سائقها الذي قد يصاب بالإجهاد إزاء تشغيل الشاحنة الثقيلة ذات الإطارات – الدواليب العملاقة.. التي يمكن أن تزيد السائق إرهاقا لدى احتكاكها المستمر بالطرق الوعرة أو غير الممهدة.
وهكذا دارت الفكرة الأساسية.. حول استخدام الطاقة المستمدة من السوائل المحركة لتوجيه العجلات. ثم كان طبيعيا أن تعمد الماركات الحديثة إلى استخدام نظم كهربائية لإنجاز هذه العملية وإن كان هذا الاستخدام لا يزال مقصورا – كما يقول الخبراء – على السيارات الأصغر حجما. والمهم أن فرانسيس ديفيز فاز بتسجيل اختراعه يوم 11/5/1927..
واشترت امتيازه كبرى شركات صناعة السيارات في أميركا ومع ذلك ظلت تؤجل استخدام هذا الابتكار التكنولوجي في سياراتها أولا بسبب ظروف الكساد الاقتصادي في أواخر العشرينات – ثم بسبب نذر اندلاع الحرب العالمية الثانية التي ما أن وضعت أوزارها حتى أدت هي نفسها إلى اتجاه الناس إلى التماس سبل التعويض عما كابدوه من ويلاتها فكان أن طلبوا المزيد من السيارات المزودة بأحدث وسائل الراحة والرفاهية..
وفي مقدمتها طبعا متعة قيادة السيارة حيث ينعم السائق بمزيد من الراحة والاسترخاء إذ تشاركه في توجيه عجلة القيادة تلك القوة الهيدروليكية التي ما لبثت أن انتشر استخدامها في السيارات اعتبارا من طراز (موديلات) عام 1951 على وجه الخصوص.
الأزرقمحمد الخولي

