لا يمكن لأي زائر لإمارة الفجيرة عبر بوابتها الغربية إلا أن يمر بالبثنة ثغر الفجيرة الباسم، ليقف مفتونا بجمال هذه القرية الأخاذ، حائرا في وصف معالمها الطبيعية الرائعة، حيث تحفها أشجار النخيل والمانجو والحمضيات، ويمر منها وادي حام الذي يعتبر اكبر الأودية في المنطقة، فيقسمها إلى قسمين أظهره والحارة.
كما لا بد أن تقع عينا الزائر على السد الذي أقيم لتجميع مياه الوادي، وقبل مغادرتها من الجهة الشرقية تجذب الأنظار قلعتها الشامخة التي تسرد بعضاً من أسرار هذه القرية القديمة التي يعود تاريخها، كما دلت بعض الآثار إلى العصر البرونزي و العصر الحديدي و القرن الأول والثاني قبل الإسلام.تتميز البثنة بوفرة مياهها وخصوبة تربتها، ومن هذا اشتق اسمها «البثنة» الذي يعني الارض الخصبة، ومن القبائل التي تسكن في قرية البثنة ( الحفيتي - الكعبي - الزيودي - الصفداني - اليماحي - الدهماني - الكندي - السدراني - العبدولي - الزحمي - الصريدي - الزوهري )، استقبلنا في هذه القرية واليها علي عبدالله الزحمي، «أبو عبدالله» ليروي لنا شيئا عن ماضي وتاريخ هذه القرية العريقة، بقوله كانت البثنة وعبر العصور ممرا لعبور القوافل لأنها نقطة العبور الوحيدة المؤدية من وإلى الفجيرة، لذا كان لها أهمية كبرى، وخاصة عند مرور القوافل التجارية.
ولهذا وجدت فيها الكثير من الآثار القديمة لهذه القوافل التي كانت تعبر البثنة، والتي تجد الراحة بسبب أجوائها المعتدلة ومياهها الوفيرة، حيث ضلت «الحبيسة» نبع ماء بجانب القلعة يتدفق منه المياه بوفرة حتى نضبت قبل عامين فقط بسبب سنوات الجفاف المتلاحقة، والري الجائر الذي جفف الحبيسة التي كانت تشتهر بها البثنة عن غيرها من المناطق. واستطرد الزحمي بحديثه قائلا كانت الحياة جميلة في الماضي رغم ما تحمله من مشقة العمل، فالأهالي كانوا يعتمدون على أنفسهم في كل شيء، ومطالبهم وحاجاتهم كانت بسيطة، حيث كانوا يعيشون ببيوت من «اليص»الطين وسقف من العريش في موسم الصيف، بينما يعيشون بالخيام في فصل الشتاء، وكانوا يتكاتفون فيما بينهم، ويحبون بعضهم البعض، وحياتهم مبنية على التعاون والألفة.
وكأنهم أسرة واحدة ولا يوجد بغض أو حسد بينهم، وكانوا يجتمعون يوميا ويساعدون بعضهم في كل شيء، فحياتهم فيها ألفة ومحبة وتعاون وتكاتف، كما كانوا يأكلون مما يزرعون حيث كان الأهالي يزرعون البر والذرة والدخن والتمر والفندال، إضافة إلى لحوم الأغنام التي كانوا يربونها، وصيد الغزلان التي كانت قطعانه تملأ الجبال المجاورة.
ومن ذاكرة الوالي علي الزحمي يقول أيضا إن البثنة كانت تعد مصيفا للعديد من القبائل المجاورة التي كانت تهرب من حر الصيف، حيث كانت تستضيف عشرات القبائل من المناطق المجاورة لتقوم بمساعدة الأهالي بموسم حصاد النخيل، ويضعونها في (أجربة) أي سلال التمور فوق الجمال ويذهبون بها إلى الفجيرة والشارقة ورأس الخيمة ودبي حيث كانت تستغرق رحلتهم إلى دبي والشارقة 12 يوما فوق ظهور الجمال.
ولرمضان في البثنة ذكريات يرويها ابو عبدالله قائلاً: «للشهر الفضيل بهجة وفرح في البثنة فقد كان الأهالي يترقبون الهلال ويحسبون له، وإذا رأى أحد منهم الهلال أطلق العيارات النارية، ولم يكن في تلك الأيام غبار أو تلوث فتكون المشاهدة واضحة، وكان كل عشرة بيوت أو خمسة يفطرون «رباعة» الحريم ضمن مجموعة والرجال يجتمعون في أحد البيوت، وبعد صلاة التراويح تجهز النساء «الفوالة» فتنصب السفرة ويأكل الرجال وتدور القهوة بينهم.
وكانت هناك ظاهرة جميلة في المنطقة ففي بعض البيوت كانت قراءة القرآن يومية في المجالس، ولا يتوقف الرجال عن عملهم في رمضان وفي وقت الظهيرة ينامون تحت ظلال الشجر وكانوا يقتاتون على مصدرين أساسيين هما النخيل ولحوم الأغنام والإبل. وقال راشد علي عبدالله الزحمي إن البثنة تعتبر منطقة زراعية خصبة تجذب السكان إليها، فقد كان الأهالي يزرعون النخيل والمانجا واللومي والمركبي.
إضافة إلى الفلفل والذرة والبر، وهذا ما جعلها إضافة إلى موقعها الجغرافي في منتصف وادي حام كنقطة تجارية للسكان القادمين إلى الفجيرة والساحل الشرقي، لذا يوجد بها العديد من الأماكن الأثرية وعثر فيها على كثير من الأواني الفخارية التي تعود إلى العصر الحديدي ومنها يعود إلى عصور أحدث وهي إلى فترة ما قبل الإسلام.
كما عثر على عدد من القطع الحجرية ذات حجم متوسط وعثر على عود من الفناجين والأواني والجرار وعثر أيضاً على العديد من أغطية الأواني.
وعن حياة الناس في الماضي قال إن حياة الناس في الماضي كانت وطيدة جدا، يأكلون معا ويسافرون معا، ويتعاونون فيما بينهم في كل شيء في الحصاد والسفر والبيع والشراء.
حيث كانوا في موسم الحصاد يقومون بقطف النخيل، وصناعة يداف أو سح من سعف النخيل ليخزنوا به التمر ويقومون ببيعه بالفجيرة، حيث كان كل من يملك راحلة أو بعير يذهب إليها ويأخذ معه في الجراب كل ما يستطيع حمله من منتجات الأهالي ويخرج في الصباح الباكر إلى الفجيرة ليصل بعد العصر ويقوم ببيعها، ويشتري للأهالي حاجاتهم التي كان أهمها القهوة و«العيش» أي الأرز، ويعود في اليوم الثاني إلى القرية، وكانت الثقة موجودة بين الأهالي، فلا احد يسأل اشتريت بكم وبعت بكم.
وفي فصل الصيف يذكر راشد أن البثنة كانت تستقبل القبائل المختلفة وخاصة من بني الشحوح ليساعدوا أهالي البثنة في قطف التمر، وتخزينه ليتم بيعه بعد ذلك، كما كانوا يأتون قبيل الأعياد ومعهم الحلال والذبائح ليبيعونها الأهالي، يتحدث راشد عن رمضان في الماضي فيقول كنا نطالع الهلال ونصوم لرؤيته ونفطر على رؤيته، وكان الناس يأكلون مع بعضهم فيحضرون ما يعد من الطعام ويأكلون في المبرزة حيث يلتقون مبرزة للرجال وأخرى للنساء وهي في منتصف الطريق بين الخيام حيث كانوا يسكنون في أماكن متباعدة، وكانوا يحضرون الخبيص والهريس والعيش والتمر واللبن واللحم المشوي.
أما القلعة فيتحدث عنها احمد الشامسي مدير دائرة الآثار بقوله إن قلعة البثنة من أهم قلاع المنطقة الشرقية وأضخمها، فهي بوابة الفجيرة الغربية، وقد استبسل أهلها في الدفاع عنها، وقد بنيت من المواد المحلية والتي تتكون من الحجارة والصاورج والخشب والطين وجذوع وسعف النخيل، وتضم طابقين، فالطابق الأرضي يتكون من مدخل رئيسي وبرجين مستديرين يتكونان من ثلاثة طوابق وسطح ثم فناء فسيح وأدراج تؤدي إلى الطابق الأول.
الذي به صحن وغرفة واحدة بها نافذة تطل على الخارج ثم ممرات وأدراج تؤدي إلى غرف الأبراج وأما السطح ففيه ممرات على طول السور والأبراج وتتخللها شرفات بها ثقوب أعدت للمراقبة والرمي بالبنادق، ويعود تاريخ بناء قلعة بحسب أهل المنطقة إلى ما يقدر بالعام 1735م تقريبا.
الأزرقفراس العويسي - تصوير: محمد منور


