معشر الأبرار، إن في شهري عتقاء من النار، منَّ عليهم الواحد القهار، بالتوبة من الخطايا والأوزار، وفكهم من مشقة الإسار، فهذا أشرف البرية، ومعلم البشرية صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا كان أول ليلة من شهر رمضان، صفدت الشياطين، ومردة الجن، وغلقت أبواب النار، فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة، فلم يغلق منها باب، وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك في كل ليلة».

إنهم لما كانوا عبيد شهواتهم، وأسارى خطيئاتهم في الدنيا، يسرحون ويمرحون، ويرتعون ويلعبون، استوجبوا دخول النيران، والتقلب في أطواقها وأوهاقها.فإذا دخل شهري تداركتهم رحمة الله وعفوه، فيعتقون من عذاب السعير، والله على كل شيء قدير (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هوَ الغَفورُ الرَّحيم».

فلست ترى إلا الذي فلق النوى

هو الواحد المعطي كثير المواهب

مجيب دعا المضطر عند دعائه

وينقذه من معضلات النوائب

صوامي، ها قد توسطت عقد أيامي، ومضى شطري، وشهدت بذا أعلامي.

تنصف الشهر والهفاه وانهدما

واختص بالفوز بالجنات من خدما

وأصبح الغافل المسكين منكسرا

مثلي فيا ويحه يا عظم ما حرما!

من فاته الزرع في وقت البذار فما

تراه يحصد إلا الهم والندما

طوبى لمن كانت التقوى بضاعته

في شهره وبحبل الله معتصما

اسألوا الليالي والأيام، تخبركم عن الانتصارات العظام، التي تحققت في شهري أيها الكرام. هذه غزوة بدر الكبرى، والتي سميت في محكم التنزيل بيوم الفرقان، وقعت أحداثها في السابع عشر من شهري وذلك من السنة الثانية للهجرة 624م بين المسلمين وكفار مكة .

حيث اضطر المسلمون للخروج من ديارهم، وترك أموالهم بعد أن سيموا العذاب والتنكيل، من قبل المشركين ومنعوا من أداء الحج أو العمرة. فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يفت في عضد قريش ويوهن قوتهم، ويكسر شوكتهم بالتعرض لطريق تجارتهم بين مكة والشام.

فما إن أتى اليوم الثامن من شهري في العام الثاني من الهجرة حتى أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد العيون الذين أرسلهم لاستطلاع الأخبار أن قافلة قرشية عظيمة قادمة من الشام بصحبة أبي سفيان، فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في مصادرتها، فأطاعوه وخرج في ثلاثمئة رجل.

وبضعة عشر رجلا من الصحابة للاستيلاء على القافلة. ولما علم أبو سفيان بهذا الخروج، تمكن من الفرار، وأرسل إلى أهل مكة بالخبر، فخرجت قريش من ديارهم ومعهم ألف رجل، فالتقى الجمعان على ماء يقال له: بدر يوم السابع عشر من شهري، فكان النصر المبين، والعز والتمكين، لعباده المؤمنين، وأصبح جانب المسلمين مرهوباً، وركنهم شديداً.

falahi19@yahoo.com