في ديوان بدر الدّين الحامد شعر نظمه في رثاء ابن له، وابنة أيضاً وفي الديوان قصيدتان في مناسبة بناء ملجأ للأيتام، والتبّرع، في مجال آخر لجمعيّة نهتم بهم.

والذي يجمع هذه العناصر عنصر العاطفة الذي تجلّى هنا وهناك، وإن كان لكل شأن عاطفة ذات خصوصيّة إضافية.في الرثّاء عادةً شيء من ذكر مآثر المتوفّى، ومَحامده، وفي وصف حال المتوفّين من الأبناء والبنات تتفاعل المشاعر بين ذكرى الماضي ووقع الحاضر وتبرزُ علاقات الشاعر الأب مع فلذة الكبد، وهي تتهاوى، وتنزاح من ساحة الحياة ليبقى الشاعر مع أحزانه، وأطيافِ ذكرياته.في قصيدة (رثاء ولد الشاعر نزار) بدأها بتلقيب ولده بعبارة (وردة القلب) ونَسج من وراء العبارة ما يليق بها من الكلام:يا وردة القلب التي لم تكدتبسمُ لي حتى عراها الذّبول-أشم ريّاك ولي عبرة-من دأبها يا نور عيني الهطول

سقيتك المنهلّ من أدمعي

والموت من حولك غول يصول

قد كنت من قبل النوى صابراً

واليوم صبري يعتريه الأُفولْ

أشْرَقُ بالدّمع وكم قائلٍ

مهلاً، ولذعُ النار في ما يقول

ثوابُه أعظم من فقده

طار وفي جنة طوبى النّزول

فاصبْر عليه لا تكن جازعاً

عسى من اللّه يكون القبولْ

فالشاعر، يصف ابنه، ويصف موقعه في نفسه وقلبه، سريعاً إلى وصف دموعه، وحزنه، ويقف عند المُعزّين الذين يذكرونه لو كان ناسياً بثواب فقده، وبمآله إلى الجنة بإذن الله،

إذن إلى الجنّه قد صار لي

ريحانُ قلبي سُلّماً للوصولْ

والحزن في القلب كمينٌ وما

تعزية الأفواه إلا فُضول

وفي رثائه لابنته بدأ بنداء قلبه داعياً إياه إلى الصَّبر، فقد سبق الكلام في الفجيعة كلّ كلام آخر، ووصف ــ كما فعل في رثاء ابنه ــ حادثة الموت، ووقعها في نفسه وقلبه:

يا فؤادي صبراً ولن تستطيعه

بعد نار الجوي ولَذْع الفَجيعه

أنشب الموت مخلبيه فماذا

ترتجي بعد من حياة وجيعه

ليتني كنت يا فؤادي بليداً

خامل الذكر في حياة وضيعه

يا عيوني اسْكبي دموعك سحّاً

إن قلبي يُجري عليها دموعه

كان فيها العزاء لي وتولّى

كيف أرجو على الزمان رجوعه؟

إلى أن قال:

كنتِ للقلب بهجهً وربيعاً

ضيّع القلبُ يا حياتي ربيعه!

وذكر ابنته هذه في بيتين اثنين آخرين؛ واصفاً فيهما خروجها آخر مرّة من دار والدها إلى مثواها الأخير:

حملوها على الأكفّ وساروا

يا فؤادي نأتْ وشَطّ المزارُ

أنقل الخطو إثرها ودموعي

جارياتٌ وفي الأضالع نار!

ويبدو أَنّ العاطفة الحرّى والفجيعة البالغة استمرّت معه طويلاً ونظم، شعراً، بيتين ليكتبا على قبرها، وهما

في جنّة الفردوس يا فاطمة

طائرة في عُشها ناعمه

ذكراك تكوينا بنار الأسى

وأنت في مهد الهنا نائمه

وبالمناسبة نذكر شيئاً من شعره في رعاية اليتيم فقد قال واصفاً إياهم في الملجأ:

مثل العصافير تأوي في المساء إلى

أَعشاشها بين تغريد وإرنان

كأنهّم ومريرُ اليُتمِ يَجْمَعُهم

مِن نعمة اللّه في جَنّات رضوان

وتظهر في قصائد الرّثاء في ديوانه عواطف الحزن التي تثور لأدنى مناسبة كقوله من قصيدة:

إن يقولوا يخمدُ الحزنُ علي

قِدَمِ الَعَهْدِ فَحزني في ضَرَمْ

أي حزنه دائم الاتقاد.

أ.د محمد رضوان الداية