العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    محمود شوقي الأيوبي..روح الجسارة والترحال

    محمود شوقي الأيوبي..روح الجسارة والترحال

    هذه رحلة حياة حافلة مثيرة، تتجسد في بطلها وأحداثها روح الجسارة والترحال واقتحام أقصى الحدود إلى آفاق عربية وإسلامية شتى، وما جره ذلك من محن وأهوال تنوء بها الجبال، أو كما يقول صاحبها الشاعر الكويتي والأديب العربي بلا حدود محمود شوقي الأيوبي:

    لو أن الصخر قاسى ما أقاسي . . . . لدك الصخر مرتطما بصخر

    مصائب لو هوت للصخر أمس . . . .جذاذا أنقضت كتفي وظهري

    عبدالوهاب قتاية

    بدأت رحلة حياة الأديب بلا حدود محمود شوقي الأيوبي بميلاده في الكويت عام 1901، لأبوين من أصل عراقي.وفي كتاب الملا زكريا الأنصاري تلقى تعليمه الاولي: حفظ القرآن الكريم، ومبادىء اللغة والقراءة والكتابة والحساب.

    وفي طفولته توفي والده، فكفله زوج اخته. ثم كان من حظه أن أنشئت المدرسة المباركية ـ أول مدرسة في تاريخ الكويت ـ عام 1912، ووفق في الالتحاق بها، حيث درس فيها نحو ثلاث سنوات، بعدها حداه نزوع عميق للسفر وطموح طاغ للمعرفة، إلى ترحال طويل بلا حدود.

    كانت محطته الاولى مدينة البصرة، حيث أقام مع خاله نحو سنتين، تعلم خلالها فن الطباعة، وعمل موزعا للبريد ثم عاملا بالمحكمة. واشتهر في تلك الفترة بشغفه بالمطالعة واقتناء الكتب، فشجعه قاضي المحكمة على استكمال دراسته بدار المعلمين في بغداد. وبالفعل باع الايوبي كتبه لينفق من ثمنها، والتحق بدار المعلمين حتى تخرج وحصل على الدبلوم سنة 1918، فعمل مدرسا في قرية ابوالخصيب قرب البصرة لمدة عام واحد.

    في تلك الفترة كانت نفس الايوبي تجيش بالقلق والتفاعل الحار مع الاوضاع السائدة والاحداث الوطنية في العراق وغيره من البلاد العربية. وبزغت بشائر موهبته الشعرية تلمسا للتعبير عن ذلك الجيشان المحتدم في نفسه.

    وكان أول ما يذكر من تعبيره المبكر هذا ابيات أنشدها في احتفال اقامة متصرف لواء البصرة مبايعة للملك فيصل الاول قال فيها:

    أنشقى والعباد منعمونا

    ونحكم والبرية حاكمونا؟

    فما للظالمين بنا نصيب

    فإنا فوق أيدي الظالمينا

    مدفوعا بحب الترحال، غير مبال بالحدود، شد الايوبي رحاله، وانطلق الى المدن والاقطار المجاورة في رحلة حافلة يلخصها بنفسه فيقول:

    رحلت بقصد السياحة إلى الموصل، ومنها الى دير الزور مع قوافل العربات التي تجرها البغال. ومنها إلى الرقة، ثم إلى حلب. ومن حلب خرجت ماشيا إلى المعرة فخان شيخون، ثم إلى حماة، فحمص، فطرابلس الشام، فجبيل بيروت، فصيدا، فصور.. ثم إلى دمشق ومنها إلى جبل الدروز فالقنيطرة. ومنها عبر حدود فلسطين الى بيسان فجنين فنابلس، فالبيرة فالقدس فالخليل ثم بيت لحم، فبيت جبرين، فغزة فخان يونس فرفح فالعريش ثم إلى مصر بعد أن عبرت قناة السويس، فجزءا من الصعيد.

    كان لهذا الترحال الحافل،والمعاينة النافذة لأحوال الشعوب العربية التي زارها اثر كبير في إثراء فكر الأيوبي. وتنوير وعيه وتوسيع خبرته. وقد توج ذلك بقراءاته الوافرة وتعرفه إلى الكثيرين من الشخصيات العربية النهضوية البارزة. وقد تجلت آثار ذلك كله في كتاباته ومن ذلك قصيدته الحماسية التي شارك بها في تكريم الزعيم العربي التونسي الشيخ عبدالعزيز الثعالبي، عند زيارته للكويت سنة 1927 وفيها يقول:

    يامثير العرب الأحرار في

    تونس الخضراء حيتك الزمر

    يازعيم العرب وثبت بنا

    عزمة كادت يلاشيها الضجر

    شدد العزم وسر معتزما

    وتقدم للمعالي واستشر

    يابني العرب انهضوا لاتجمدوا

    انما الغرب علينا يأتمر

    وتأثرا بأحداث ثورة البراق في فلسطين سنة 1929 كتب الشاعر الفتى محمود شوقي الايوبي قصيدته «الشهداء» التي تجلت فيها روحه الوطنية والقومية ووعيه كشاعر بلا حدود حيث اتخذ من المناسبة سبيلا إلى التنديد بالاستعمار في كل البلاد العربية من مصر والسودان إلى العراق والبحرين وعمان وحضرموت وعدن إلى فلسطين وسوريا إلى الجزائر وليبيا.

    فيقول:

    في مصر أحكمتم الأغلال خانقة

    وفي العراق أحابيل وأشجان

    لكم أياد على السودان منكرة

    وفي الخليج من استعماركم شان

    هذي فرنسا بسوريا الأبية قد

    سرى لها بحديث الفتك ركبان

    في كل يوم لكم بالشرق مجزرة

    يشيب منها صبيات وصبيان

    في أواخر عام 1929 غلب الشغف القديم بالترحال بلا حدود شاعرنا محمود شوقي الأيوبي، فغادر الكويت إلى البحرين، «ومنها ــــ كما يروي ملخصاً ـــ إلى القصير ثم الاحساء، وكان معي خالد الفرج الشاعر، وعبد اللطيف النصف، ونزلنا ضيوفاً عند ولي عهد المملكة الأمير سعود بن عبد العزيز، ومنها سافرت على الجمال إلى الرياض، وقابلت المغفور له الملك عبد العزيز آل سعود، ومنها إلى مكة المكرمة، ونزلت فيها ضيفاً عند الأمير فيصل آل سعود».

    ويروي الأيوبي أن الملك عبد العزيز أعجبه سعة معارفه في الدين واللغة والأدب والشؤون العامة، ولمس طموحه وشغفه بالأسفار، فكلفه بما وافق هواه، وهو أن يسافر على نفقة الملك إلى اندونيسيا، لتبصير الناس بفريضة الحج، وتعليمهم أمور دينهم الصحيح، والإشادة بمآثر الملك. ومن جدة ـــ بعد موسم الحج ـــ أبحر الأديب بلا حدود إلى الشرق الأقصى، وبالتحديد ـــ كما يلخص ــــ «إلى اندونيسيا، سنغافورة ثم جاكرتا ثم باندوج، فسورأبايا».

    في اندونيسيا عاش الأديب بلا حدود محمود شوقي الأيوبي عشرين عاماً كاملة، كانت بحق ملحمة عظيمة من العمل والعطاء في خدمة الإسلام واللغة العربية، وفي خدمة التواصل بين العرب وأشقائهم المسلمين في تلك الأنحاء القاصية.

    كذلك كانت سنوات الغربة تلك ملحمة مثيرة من الكفاح المضني والمعاناة المريرة والأخطار المحدقة، خاصة حين اجتاحتها أحداث الحرب العالمية الثانية بالتدمير والقلاقل التي عصفت بحياة الأيوبي، الذي كان يحاول النجاة بأسرته متنقلاً من بلد إلى بلد:

    فلي عشرون عاماً كنت فيها

    بآلام من التشريد زرق

    حوادث كم وقفت بها بجاوا

    سخين الدمع أرنو نحو أفقي

    فأسكب خاطري في الكبت أبكي

    كشلو في مضيق الهجر ملقى

    في عام 1950 قدر لملحمة الغربة والتشرد والشقاء أن تنطوي صفحتها، وأن يعود الشاعر الأديب بلا حدود إلى وطنه.

    عاد الأيوبي مفعم الفكر والوجدان بثقافة واسعة وتجارب حافلة، ورصيد شعري وافر. وأهم من ذلك بعواطف جياشة نحو الوطن والعروبة، ووعي متوهج بأحوال الأمة وآمالها. وما هي إلا سنوات قلائل حتى علا مد التيار القومي، منطلقاً من مصر بقيادة عبد الناصر، الذي وجد فيه الأيوبي وفي ثورته ضالته، والزعيم الذي تنعقد عليه الآمال:

    عوفيت يا فخر العروبة كلنا

    جند بأحداث الردى لم يغلب

    فلقد رفعت رؤوسنا في ساحة

    الحرية الحمراء دون تهيب

    في كل قلب من صنيعك ثورة

    للحق لم تهدأ ولم تتنكب

    العرب قومك يا جمال وكلهم

    في كل قطر ثورة لم تغلب

    وكان من أهم المؤثرات في حياة الأديب الشاعر، وفي شعره بعد العودة إلى الكويت، تلك العلاقات الحميمة التي ربطته بنخبة من أعلام الأدب في مصر. ويتجلى ذلك في دور «رابطة الأدب الحديث» برئاسة الأديب الكبير الدكتور محمد عبد المنعم خفاجي، ففي رحاب دارها بالقاهرة ألقيت روائع قصائده، وكرم أدبه. كما تبنت الرابطة ورئيسها نشر دواوينه الثلاثة الأولى: «رحيق الأرواح»، و«هاتف من الصحراء»، و«الأشواق».

    وقد تولى الشاعر الكويتي عبد الله زكريا الأنصاري ـــ ابن أخت الأيوبي ـــ نشر ديوانيه: «الموازين»، و«ألحان الثورة»، الذي تضمن كلمة للشاعر بلا حدود، تقول: «.. من ثورة العروبة الكريمة القوية الموفقة ألهمت هذا الديوان الخامس (ألحان الثورة)، وهو يحتوي على قصائد ألهمتها في ظروف مختلفة، وكلها تهدف إلى هدف واحد، ولغة واحدة، والموت للخائنين والمستغلين والمستعمرين».

    لم تكن تلك الدواوين الخمسة هي كل إنتاج الأيوبي، وإنما هناك ما هو أكثر من تلك الدواوين ما يزال مخطوطاً، ومن ذلك: ديوان «الملاحم العربية»، وديوان «أحلام الخليج»، وديوان «المنابر»، وهذا غير الكثير الذي فقد. وكل ذلك يشير إلى أن الأيوبي هو أكثر شعراء الكويت إنتاجاً.

    وكانت أشعاره تنثال عن خاطره في فيضان وإسهاب، وقلما يعني بالقصيدة بعد كتابتها بالتنقيح والتهذيب، والأمر الذي شاب بعض أشعاره بالخطابية أو الارتجال والطول المفرط.

    أما موضوعات شعره، فهي ـــ بطبيعة الحال ـــ مرآة لمراحل حياته وأحوالها، فعندما كان في اندونيسيا، غلب على شعره التعبير عن الذات وتأملاتها ومشاعرها في المحن والأهوال التي عصفت بها، إضافة إلى الشعر التعليمي الذي كان ينظمه في مقطوعات للتلاميذ وللناس عامة، داعياً فيه إلى القيم الدينية والخلقية الإسلامية والإنسانية.

    أما في الكويت، بعد عودته من طوافه بلا حدود، فقد واكب شعره حركة الحياة العربية والمناسبات: السياسية والاجتماعية والدينية، إضافة إلى المديح والرثاء والتأملات الذاتية كالشكوى والروحانيات.

    في سنواته الأخيرة، أصيب الأيوبي بمرض عضال، سافر لعلاجة إلى بيروت ثم لندن، ثم لزم بيته حتى أسلم الروح في 23 مارس 1966. مخلفاً صفحة من أغنى صفحات ديوان الشعر الخليجي والعربي الحديث، في نشيدها للحرية والعروبة والوحدة، وفي تأملاتها الروحانية في الحياة والكون، بلا حدود

    أنا وحدي أراقب النجم وحدي

    ويح قلبي قد طال في الليل سهدي

    غايتي في الحياة إيمان قلبي

    أن أراه ضياء جنة خلد

    وإذا ما نزلت في الرمس ألفيت

    سناه يضيء أرجاء لحدي

    طباعة Email
    #