الحقيقة الأساسية التي لا ينبغي أن تغيب عن أنظارنا، ونحن نقترب من مسجد عبدالله بن عمرو بن العاص في العين، تدور حول طبيعة الفترة التي أنشئ فيها هذا المسجد، فقد أسس هذا المسجد على نفقة الشيخة سلامة بنت بطي في عام 1392 هجرية.هذا يعني أن هذا المسجد أطل إلى آفاق العين قبل أقل قليلاً من أربعة عقود من الزمن، وهي مرحلة لا شك في أنها قد شهدت، في سياق العمارة المسجدية على الأقل، قدراً ليس باليسير، مما يمكننا وصفه بحيرة الاختيار.

هذه الحيرة تصدر عن أن من يريد أن يؤسس مسجدا، سواء أكان حكومة أو مؤسسة أو جمعية خيرية أو راعياً فرداً، يجد نفسه أمام ألف عام من الذاكرة الجمعية للمسلمين في بناء المسجد، فمن أي نبع ينهل؟ وإلى أي طراز معماري يعود؟ وإلى أي أفق من الإنشاء والجماليات يشد الرحال؟الخيار الذي حسم الحيرة في حالة هذا المسجد يبدو لنا موفقاً إلى أبعد الحدود، فأتت حيال طراز معماري تكاملت له كل العناصر التي ترتبط في الذاكرة الجمعية للمسلمين بالمسجد.بداية، أنت بين الانفصال عن النسيج الحضري والاقتراب منه، وأنت حيال مسجد يجمع بين قوة الكتلة المعمارية وفخامتها وجلالها وجمالها في آن.وخلافاً للخيارات اللاحقة، في العين وأبوظبي على السواء، حيث سيأتي تفضيل تأطير كتلة المسجد بأربع مآذن، فأنت هنا أمام مئذنتين فحسب، تؤطران الكتلة المعمارية وتضمان القبة البصلية العالية.غير أنني أريد الانتباه هنا إلى مجموعة من النقاط، التي أراها مهمة، وقلما تتكرر في مساجد الإمارات.* المشروع الزخرفي المترف والممتد لهذا المسجد، والذي يجمع بين الحشوات الزخرفية والعناصر الخطية، وتوظيف الخشب البديع.

وتوظيف الإضاءة طبيعية وكهربائية على السواء، والزجاج المعشق، وغيرها من العناصر، سيخالف ما درج عليه المعماريون المسلمون تقليدياً من اقتصار هذا المشروع على الداخل وحده، إلا ما ندر، فها هو ذلك المشروع يمتد قشيباً، وافراً، مترفاً إلى خارج المسجد، إلى صميم الإنشاء، فالحجر الملون يكسو بدن المسجد، وفي مواضع عدة نلمح تأثير الأبلق البهي عبر تداخل الأنواع المختلفة من الحجر في الجزئية الواحدة، كما نرى بوضوح في المداخل وفي المئذنتين.* غالباً ما تميل العقود في مساجد الإمارات إلى تبني أشكال محددة أبرزها العقد الحدوي لبهائه وجماله، والعقد المدبب والمسنن لما هو معروف عنه من قوته.

حيث إن ثقل الأوزان المحملة عليه ينحدر إلى الأرجل ثم كتف البناء، ولهذا على وجه الدقة فإنه الأساس في تطوير السقوف المقببة والقباب، هذا على الرغم من وجود أنواع عديدة من العقود، كالعقد المخموس المرتفع الناتج عن تقاطع دائرتين والعقد المستقيم الذي يعلو عقد آخر منحن لتخفيف الثقل والعقد الدائري المرتد، وفي هذا المسجد سنلحظ إيثار المعماري للعقد نصف الدائري، وهو كما قلنا ليس بالعقد الشائع في الإمارات.

* لا تميل المآذن في مساجد الإمارات إلى الاستطالة المبالغ فيها، حتى حينما يبدو ذلك منطقياً ومبرراً كوجود المسجد في قلب نسيج حضري يميل إلى الارتفاع، لكننا هنا نلحظ الارتفاع الاستثنائي لمئذنتي هذا المسجد، وهو ارتفاع يظل محسوباً لجماليات الإنشاء لا عليها هنا.

كامل يوسف - تصوير: ناصر