الحمد والمنة والشكر والفضل لله في العشر الأواخر من هذا الشهر المبارك الفضيل، فاليوم العشرون ليلته هي ليلة الحادي والعشرين ألم تروا أننا في مساء الخميس نقول ليلة الجمعة، فإنه ما إن يدخل الليل إلا ونكون ودعنا اليوم لنستقبل الذي بعده.

وفي ليلة الحادي والعشرين يبدأ التهجد لمن يتهجدون وكذلك يدخل من يحيون سنة الاعتكاف في العشر الأواخر في اعتكافهم. وهذه العشر الأواخر هي التي وجه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم بالتماس ليلة القدر في الوتر منها، يعني في ليلة الحادي والعشرين (اليوم) أو الثالث والعشرين أو الخامس والعشرين أو السابع والعشرين أو التاسع والعشرين جعلني الله وإياكم ممن يوافونها لأنها الليلة التي أنزل فيها القرآن «إنا أنزلناه في ليلة القدر» .وهي «خير من ألف شهر» أي تعدل عبادة أكثر من ثمانين سنة فمن نفحات هذه العشر الأواخر من شهر الصيام تحري ليلة القدر في الوتر منها، وبالتالي لابد والأمر كذلك من الاجتهاد فيها بالعبادة ومضاعفة العمل لأن ذلك هو السبيل لأن يودع شهر القرآن بهذه الهمة الكبيرة في العبادة بعيداً عما يشغلنا عنها، أخرج البخاري رقم (2024) في فضل ليلة القدر، باب العمل في العشر الأواخر من رمضان، ومسلم رقم (1174) في الاعتكاف، باب الاجتهاد في العشر الأواخر من شهر رمضان حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ترويه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت:

«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله» هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم «أحيا الليل وأيقظ أهله وجد وشد المئزر» وكذلك في رواية لمسلم عنها رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره».

وهذا كله يصب في اتجاه الحث على مضاعفة العمل في هذه العشر الأواخر أسوة برسولنا الكريم ويقيناً بأنه يدرك فضلها فلماذا نجعل هذا الفضل يتسرب بالغفلة بأي لون كانت هذه الغفلة من بين أيدينا فلا نغتنم هذا الفضل الكبير.

وهناك في هذه العشر الأواخر سنة الاعتكاف، هذه السنة التي صارت في زماننا هذا شبه مهجورة من الكثيرين لا يحييها إلا قلة قليلة، والاعتكاف يتيح للمجتهد في العبادة في العشر الأواخر أن يفرغ نفسه تماماً من كل شاغل يشغله عنها. والمعتكف يخلو لنفسه مع ربه بعيداً عن كل شيء.

وقد ذهب الإمام أحمد إلى أن المعتكف لا يستحب له مخالطة الناس حتى ولا لتعليم علم وإقراء قرآن، بل الأفضل له الانفراد بنفسه والتخلي بمناجاة ربه وذكره ودعائه.يقول ابن رجب الحنبلي: «والخلوة المشروعة لهذه الأمة هي الاعتكاف في المساجد، خصوصاً في شهر رمضان وعلى الأخص في العشر الأواخر منه».

هذا وقد أثر عن داود الطائي (وهو زاهد من كبار أئمة الفقه والرأي) انه يقول في ليله: همك عطل علي الهموم (وذلك في مناجاة ربه) وحالف بيني وبين السهاد، وشوقي إلى النظر إليك أوبق (أي ذلل وأهلك) مني اللذات، وحال بيني وبين الشهوات وهنا الاعتكاف يتيح ـــ كما أشرنا ـــ الفرصة للعبد الذاكر أن يخلو إلى ذكر ربه متجرداً من كل ما يمكن أن يشغله من مال وولد، لعل في اعتكافه ذاك الخالص للعبادة يوافي ليلة القدر، أو ليست هي في هذه العشر الأواخر من الشهر الفضيل، كما أخبر الصادق المصدوق؟

إذن ما المانع أن يأتي عليها معتكف فرغ نفسه للعبادة والذكر ولكن! شريطة أن يكون عمله هذا إيماناً واحتساباً لا تشوبه أدنى شائبة، فرب صائم حظه من صومه الجوع والعطش.

ورب قائم حظه من قيامه التعب والسهر، فلا بد من الإخلاص في العبادة بمفهومها الشامل فالخلق الحسن عبادة وتحري الحلال في الكسب عبادة والسماحة في البيع والشراء بل وفي كل التعامل عبادة وقضاء حوائج الناس، إغاثة الملهوف ومناصرة المظلوم والعدل ولو كان ذا قربى ولو كان بيننا وبين الآخر شنآن أو مباغضة فلا يدفعنا هذا البغض أو هذه العداوة ألا نعدل «ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى، واتقوا الله ان الله خبير بما تعملون» سورة المائدة الآية 8.

وهذه الخيرية التي أضفاها المولى سبحانه وتعالى لليلة نزول القرآن، ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر وليس من ألف ليلة، هي هدية الله جل شأنه لأمة الخيرية، أمة خاتم النبيين، فهي جبر لهم لأعمارهم القصيرة قياساً لمن سبقهم من الأمم، فإذا عبد مسلم ربه 30 سنة ووافته ليلة القدر فكأنه عبده لأكثر من مائة سنة بهذه الألف شهر المضافة إلى عمره فهل من جائزة أفضل من ذلك.

روي عن مجاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رجلاً من بني إسرائيل لبس السلاح ألف شهر (أي أنه جاهد في هذا المدى) فعجب المسلمون من ذلك فأنزل الله تعالى «إنا أنزلناه في ليلة القدر» إلى قوله «ليلة القدر خير من ألف شهر» أي تلك التي لبس فيها مجاهد بني إسرائيل السلاح في سبيل الله، وقال النخعي: العمل فيها خير من العمل في ألف شهر.

وإذا كنا لا نعرفها على وجه التحديد ولكنها حصرت لنا في العشر الأواخر فهل نحرم أنفسنا من هذا الفضل الكبير والأمر لا يكلف كبير عناء أو جهد لا نطيقه.

والتعويل.

ـــ كما هو معروف وكما أشرنا ـــ هو على القبول لا على الاجتهاد وهذا القبول لا يأتي إلا بتقوى القلوب وتقوى القلوب لا يتوصل إليها إلا بالإخلاص في العبادة ونحن نقرأ قوله تعالى: «وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين» سورة البينة الآية 5. فالإخلاص هو اللب وهو الجوهر، لب العمل وجوهر العبادة وبدونه تصبح العقيدة تقليداً وارثاً وتصبح العبادة لا روح لها، فأي معنى بربكم لصلاة لا تنهى المصلي عن الفحشاء والمنكر، لا الفحشاء وحدها ولكن كل فعل منكر نهى الله عنه.

وأي معنى لزكاة لا تطهر أو تزكي من الأرجاس ومن حظ النفوس الأمارة بالسوء، وأي معنى لصوم لا يقود إلى التقوى بمفهومها العميق وبكل أبعادها وأي معنى لحج فيه رفث وفسوق وجدال.إن الإخلاص يا إخوتي من دلائله الصدق في الأقوال والأفعال فلا نقول قولاً يخالفه العمل وهذا ما يحدث للأسف الشديد في هذا الزمان على مستوى الكافة والخاصة ولا حول ولا قوة إلا بالله.