لماذا أحس في ذلك الصباح الذي لم يحبه أن هناك حركة غير عادية في البيت رغم أن أحداً لم يحاول أن يقلق منامه أو يشعره بأن شيئا غير عادي يحدث في بيتهم؟ تململ قليلا في فراشه، حاول أن يطرد النعاس من عينيه لكنه لم يستطع، انقلب على جنبه الآخر ثم أغمض عينيه من جديد ولم يعد يشعر بشيء.

لا يعرف بالضبط كم نام بعد تلك الصحوة العابرة، لكن الذي شعر به بعد أن استيقظ من جديد أن الحركة التي أثارت انتباهه في المرة الأولى قد هدأت قليلا فلم يعد يسمع خطوات تلك الأقدام التي كانت تجيء وتذهب، ولا تلك الجلبة التي لم يعتدها في البيت المؤقت الذي انتقلوا إليه في فريج «المرر» حتى يتم الانتهاء من إعادة بناء بيتهم في فريج «الضغاية».

عندما نهض من فراشه كان النهار يقترب من منتصفه، وكان أذان الظهر على وشك أن يُرفع. أثار استغرابه وجود والده بالبيت في هذا التوقيت رغم أن اليوم ليس جمعة ولا هو إجازة حسب علمه. لا شك إذن أن أمرا جللا قد حدث ليكون والده خارج مقر عمله في هذا التوقيت من النهار.

أثار استغرابه أيضا وجود أفراد آخرين من الأسرة والأقارب وبعض المعارف والجيران مجتمعين لديهم وليس ثمة مناسبة للاجتماع كما يتذكر عندما نام الليلة الماضية لاغيا من حسابه المفاجآت. لاحظ أن الوجوم كان يخيم على المكان، وأن حزنا لم يعتد رؤيته كان يرتسم على الوجوه.

كانت حزمة كبيرة من الأسئلة تتجمع في رأسه الصغير، لكن الذهول الذي كان يسيطر عليه جعله يحجم عن طرح الأسئلة حتى يتبين الموقف.في ركن من المجلس اتخذ مكانه يتفحص الوجوه محاولا استنباط شيء ما بعد أن أخذت الظنون منه كل مأخذ. أخيرا تنبه إلى أن ثمة وجها يغيب عن الحضور.

إنه وجه جدته التي لم تتخلف يوما عن مجلس مثل هذا. لم ير أيًّا من جديه لأبيه وأمه ولا جدته لأمه لأنهم توفوا جميعا قبل أن يأتي هو إلى الحياة. كانت جدته لأبيه هي الوحيدة التي رآها وعرف من خلالها حنان الجدات ورأفتهن بأحفادهن، كما عرفت هي من خلاله فرح الجدة بحفيد يحمل اسم زوجها الذي فارق الحياة دون أن يرى أيًّا من أحفاده.

صامتا كما دخل المجلس خرج الصبي منه متجها إلى غرفة جدته. كان كل شيء في مكانه كما تركه الليلة الماضية وهو يتفقد جدته قبل أن يذهب للنوم بغرفته. وحدها الجدة الطيبة لم تكن في سريرها كما تركها. عندها فقط فك حزمة الأسئلة التي تجمعت في رأسه، ورمى بها في طاقة الحزن التي انفتحت في قلبه، وانكفأ على سرير الجدة الخالي مجهشا في البكاء.

لا يعرف كم مضى من الوقت وهو على هذا الوضع، وشريط طويل من الأحداث يمر أمام عينيه. رأى جدته وهي تروي له الحكايات في ليالي الصيف المقمرة، ورآها وهي تحكم الغطاء عليه في ليالي الشتاء الباردة، كما رآها وهي تصطحبه معها في زياراتها لمعارفها مزهوة بأول حفيد ذكر لها. وأخيرا رآها كما شاهدها آخر مرة دون أن يعلم أنه لن يراها أبدا بعد تلك الليلة.

لم يشعر بوالده حين دخل عليه ليعيده إلى المجلس ماسحا دموعه التي بللت خديه وغمرت فراش الجدة الطيبة التي فُجِع بفقدها. كان هذا أول طعم للرحيل الذي تكرر بعد ذلك مرات عديدة على مدى سنوات العمر الحافلة بالأوجاع والمسرات.

الأزرقaliobaid2000@hotmail.com