يضم هذا الكتاب للمؤلف السيد أحمد المخزنجي عضو رابطة العالم الإسلامي والمتخصص في الكتابات الإسلامية العديد من المؤلفات والكتب الإسلامية، وقد فاز عام 2006م بجائزة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر ويضم الكتاب العديد من الحجج والبراهين الدامغة سواء أكانت بأسانيد عقلية أو بوقائع تاريخية والتي تتآزر فيما بينها معلنة سماحة الدين الإسلامي وعدله.

ويأتي لنا المؤلف بالعديد من الآيات والأحاديث التي تؤكد على مساندة أهل الكتاب والوقوف بجانبهم حيث قال (من ظلم معاهداً أو انتقص حقه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس فأنا خصمة (حجيجة) يوم القيامة ويؤكد لنا دعوة جميع ملوك المسلمين على مر العصور والأزمان على حسن معاملة أهل الكتاب، واحترام عقيدتهم بصورة لم تتحقق لهم إلا في كنف الإسلام وتحت مظلته.

وفي مدخل الكتاب يسوق لنا المؤلف حالة المجتمع العربي قبل البعثة المحمدية حيث قويهم يأكل ضعيفهم.ولا يعرفون طريقاً يهديهم إلى الخروج من تلك الغابة ولا يتأسون بمرشد يرشدهم إلى طريق الصواب فالقدرات البشرية معطلة أو ضائعة لم ينتفع بها، وقد كان على الرسول الكريم أن يوضح لهم طريق الهداية حيث وضع أسس بناء المجتمع الإسلامي الجديد وهي الإيمان بوحدانية الله، التضامن الجديد للأمة الإسلامية وهذا في صور عدة منها التكافل الاجتماعي أي شعور الفرد بتحمل التبعات والمشاركة في الأزمات كذلك الآداب الأخلاقية والسلوكية .

وكذلك الشورى بين أفراد المجتمع الإسلامي، وكذلك حسن معاملة الرسول لأهل الذمة حيث يقول توماس أرنولد المؤرخ (لم نسمع عن أي محاولة مدبرة لإرغام الطوائف من غير المسلمين على قبول الإسلام أو عن أي اضطهاد منظم قصد منه استئصال الدين المسيحي)، ومن المعروف أن الرسول الكريم ضمن لكل من اليهود والنصارى حقهم ونهى عن محاولة إرغامهم في الدين الإسلامي أو السطو على حقوقهم.

سماحة الإسلام

يؤكد المؤلف في الفصل الأول أن في الإسلام من السماحة الإنسانية ما لا يملك منصف أن ينكره أو يراوغ فيه حيث إن الإسلام دين مؤمن بالإنسانية العامة الشاملة ولا يحيل إلى استخدام القوة والعنف وإنما يدعو إلى سبيل الله بالموعظة والحكمة ويجادل الناس بالتي هي أحسن، وقد كان هدي النبي مع غير المسلمين عظيماً حيث روي محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة ومدون مذهبه أن النبي بعث إلى أهل مكة لما قحطوا ليوزع على فقرائهم.

وهذا بالرغم مما قاساه من أهل مكة من العنت والأذى وسوء المعاملة هو وأصحابه، وقد كان الرسول رحب الصدر في معاملته مع اليهود حيث لما هاجر إلى المدينة حرص على تحقيق أحد أمرين إما أن يجتذب اليهود المقيمين بها إلى الإسلام أو أن يكتسب صداقتهم وإخلاصهم مع بقائهم على دينهم وهكذا الحال مع المسيحيين حيث إن المسلمين يحاربون عنهم ويجادلونهم على أحسن وجه اتباعاً للآية الكريمة (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن).

وأوضح لنا المؤلف دليل التسامح من القرآن والسنة حيث كثرت الآيات والأحاديث التي تحث على الوقوف مع أهل الكتاب عند ظلمهم مثل قوله تعالى (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين)، ومن أقوال الرسول التي تؤكد أن الإسلام ضمن لغير المسلمين في ظل دولته كفالة المعيشة الملائمة لهم ولمن يعولونهم لأنهم رعية الدولة المسلمة وهي مسؤولة عن كل رعاياها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (كلكم راع وكل راع مسؤول عن رعيته).

ويؤكد المؤلف في الفصل الثاني أن المجتمع الإسلامي مجتمع يقوم على عقيدة وفلسفة خاصة تنبثق منها نظمه وأحكامه وآدابه وقيمه الأخلاقية ويظهر هذا من رفض الإسلام للعنصرية والتعصب حيث لم يفرق الإسلام بين شخص وآخر بالألوان والأجناس ولكن فرق بينهم بالتقوى، وينفي الإسلام دائماً نعرة اللون والجنس على طريقة التسامي بالعرقية والعنصرية، كما عند الأميركان مع الهنود الحمر والزنوج مثلاً، فالإسلام دين لكل العصور والأزمان والأماكن.

ولم يفرق أبداً بين أسود وأبيض ولا بين شمالي وجنوبي ولا بين شرقي وغربي لأنهم جميعاً يلتقون عند الرابطة الإنسانية الكبرى (يا أيها الناس أتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء)، هذا وقد أكد الرسول الكريم على رقي المسلم عن العصبية (ليس منا من دعا إلى عصبية وليس منا من قاتل على عصبية وليس منا من مات على عصبية) أخرجه أبوداود.

ويوضح الكاتب أن الإسلام لم يترك شيئاً في حياة المسلم إلا ووضحها ووضع لها قانون مثل دستور الإسلام في معاملة غير المسلمين بمنظومة يكون فيها أن الزميين في أي بلد إسلامي أو في بلد خاضع للمسلمين لهم ما للمسلمين من حقوق وعليهم ما على المسلمين كذلك يجب على الدولة أن تقاتل عنهم.

كما تقاتل عن رعاياها المسلمين أيضاً وتطبق عليهم القوانين القضائية التي تطبق على هؤلاء إلا ما يتعلق منها بشؤون الدين فتحترم فيه عقائدهم ونحلهم فلا توقع عليهم الحدود الإسلامية فيما لا يحرمونه ولا يدعون إلى القضاء في أيام أعيادهم، وهذا الدستور الإسلامي يضمن لكل الزميين حقهم في العيش مع إخوانهم المسلمين.

وكما حدد المؤلف حقوق الزميين على المسلمين فإنه كذلك عليهم حقوق للمسلمين منها ألا يذكروا كتاب الله تعالى بطعن فيه ولا تحريف له، وألا يذكروا دين الإسلام بزم له ولا قدح فيه، ألا يفتنوا مسلما ًعن دينه.

ولا يتعرضوا لماله ولا لدينه وللعدل والتسامح الإسلامي مظاهر عديدة منها أن فرضت الشريعة الإسلامية على أهل الذمة دفع الجزية، ولم يكن ذلك كما يذكر بعض المستشرقين عقاباً لهم على عدم اعتناقهم الإسلام بل كانت الجزية ضريبة عادلة تماماً في كل صورها والحياة في كل مجتمع وفي كل عصر تقوم على أساس الحقوق والواجبات وقد تمتع أهل الذمة بهذه الحقوق فكان عليهم أن يقوموا مقابل هذه الحقوق العديدة بعمل الواجبات.

ويوضح لنا المؤلف أهمية المنهج الإسلامي في الحياة فإن هذا المنهج المنفرد هو الذي يضع الأسس التي تقوم عليها علاقات المجتمع نفسه وروابطه بين الأفراد والتي من شأنها ارتقاء الحياة الإنسانية بمختلف جوانبها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، حيث هناك خطوط عامة للفكر السياسي الإسلامي فالإسلام أكثر عالمية وعطاؤه للإنسانية جميعا فهولا يستمد اسمه من نبي ولا يستمد مقوماته من جنس ويعترف بجميع الأديان والرسالات السماوية.

اعترافات الغرب

وأراد المؤلف أن يثبت جملة من اعترافات بعض الكتاب الغربيين لهذه العدالة الفريدة، وأولى هذه الاعترافات ما قاله جون ديوي (جاء الإسلام بأروع عقيدة توازن موازنة سوية بين الفرد والجماعة إذا أقام التكافل الاجتماعي على أساس الأخوة الإسلامية وهي طراز فذ من التعاطف الإنساني)، وهذا اعتراف مالكوم إكس إن أبرز معالم المجتمع في العالم الإسلامي وعي اللون في المجتمع الديني وفي المجتمع الإسلامي، وهذا توماس أرنولد حيث قال في الجزية (إنما كان يؤديها الذميون مقابل الحماية التي كفلتها لهم سيوف المسلمين).

ويشير الكاتب إلى معاملة غير المسلمين في مصر في ظل الفتح الإسلامي حيث رحب الأقباط المصريون بالفتح الإسلامي فقد رأوا فيه خلاصاً من اضطهاد الروم البيزنطيين لهم وكانوا يسمعون كثيراً عن تسامح العرب فقد تزوج الرسول من مارية القبطية المصرية كما أوصى الرسول بالقبط خيراً.

وقد كان جميع الزميين في عهد عمرو بن العاص لهم حرية ممارسة شعائرهم الدينية مقابل دينارين سنوياً وأعفي من الجزية النساء والأطفال والشيوخ، وقد كان الذميون يتولون الوظائف الإدارية في الحكومة الإسلامية فقد تولى في زمن العباسيين بعض النصارى منهم نصر بن هارون سنة 369 وعيسى بن نسطورس 380 هـ.

وفي نهاية الكتاب يثبت الكاتب شهادات الغرب بالعدل والتسامح الإسلامي فقد اعترف عدد غير قليل من هؤلاء المستشرقين الغربيين بهذا العدل والتسامح الإسلامي في تعامل المسلمين معهم، ونبدأها بشهادة فوق مستوى الشبهات ولا يمكن أن تكون صادرة عن حماسة دينية للإسلام ولا عن مبالغة في كشف مزاياه، وهو ما ذكره المؤرخ المعروف توماس أرنولد في كتابه الشهير الدعوة إلى الإسلام إن محمداً عقد حلفاً مع بعض القبائل المسيحية وأخذ على عاتقه حمايتهم ومنحهم الحرية في إقامة شعائرهم الدينية كما أتاح لرجال الكنيسة أن ينعموا بحقوقهم ونفوذهم.