روى صاحب حلية الأولياء أن الخليفة الأموي سليمان بن عبدالملك توجه إلى المدينة المنورة قاصداً مكة المكرمة لأداء الحج. فقال أليس هنا من شاهد نفراً من الصحابة؟ قالوا بلى، إنه أبو حازم أسامة بن دينار (وكان عالم المدينة في عصره زاهداً متقشفاً عابداً وتوفي في سنة 140 من الهجرة الشريفة) فبعث إليه وكان في مجلسه بعض العلماء فلما جاء أبو حازم استقبله سليمان وقال له: يا أبا حازم، ما هذا الجفاء؟
قال: وأيَّ جفاء رأيتَ مني يا أمير المؤمنين؟ قال: وجوه البلد أتوني وأنت لم تأتني. قال أبو حازم: والله ما عرفتَني قبل هذا ولا أنا رأيتُك، فأي جفاء كان مني؟ فنظر سليمان إلى أحد العلماء في المجلس وقال أصاب الشيخ وأخطأتُ أنا!
ثم قال لأبي حازم: يا أبا حازم، ما لنا نكره الموت؟
قال: نعم. لأنكم عمَرْتم الدنيا وخرّبتم الآخرة فكرهتم أن تنتقلوا من العمار إلى الخراب! قال: صدقتَ يا أبا حازم. ولكن ليت شعري! ما لنا عند الله؟
قال أبوحازم: اعرض عملك على كتاب الله. قال: وأين أجده؟
قال: في قوله تعالى (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ «13» وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ «14») «الانفطار». قـال سليمان: وأين رحمة الله؟ قال (إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ ) «الأعراف».قال سليمان: فكيف العرض على الله غدا؟ قال: أما المحسن فكالغائبِ يَقْـدَمُ على أهله، وأما المسيء فكالعبد الآبق يُؤْتَى به إلى سيده!
فبكى سليمان حتى سُمع صوته. ثم قال: يا أبا حازم، كيف لنا أن نُصلح؟ قال: تمسَّكوا بالمروءة، واقسموا بالسويّة، واعدلوا في القضية.. قال يا أبا حازم، مَن أفضل الخلائق؟ قال: أولو المروءة والنُّهَى. قال: فما أعدل العدل؟ قال: كلمة صدق عند من ترجوه وتخافه. قال: فما أسرع الدعاء إجابة؟ قال: دعاء المحسن للمحسنين.
قال: فما أفضل الصدقة؟ قال: جهد المُقِلِّ إلى يد البائس الفقير، لا يَتْبَعُها مَنٌّ ولا أذى. قال: فمن أكْيَسُ الناس؟ قال: رجلٌ ظَفِرَ بطاعة الله تعالى فعمل بها ثم دلَّ الناسَ عليها.... قال سليمان: يا أبا حازم، ارفع حوائجك إلينا. قال: نعم، أن تدخلني الجنة وأن تعيذني من النار! قال سليمان: ليس ذلك إليَّ. قال أبو حازم: فما لي حاجة سواها!!
قال سليمان: يا أبا حازم، فادعُ الله تعالى لي. قال: نعم، اللهم إن كان سليمان من أوليائك فيسِّرْه لخير الدنيا والآخرة، وإن كان غير ذلك فخذ بناصيته إلى ما تحب وترضَى.... قال: أوصني يا أبا حازم. قال نعم: نزِّهْ ربَّك وعظِّمْه أن يراك حيث نهاك، أو يفقدَك حيث أمرك. ثم قام فانصرف فأرسل الخليفة خادمه خلفه بصرة فيها مال، فرد أبو حازم المال للخادم وقال له: قل لأمير المؤمنين: إن أبا حازم لا يرضى هذا المال لك، فكيف يرضاه لنفسه؟!