أعظم نعمة أفاءها الله سبحانه على الإنسان هي نعمة العقل.. وأعظم وظيفة يؤديها عقل الإنسان هي التفكير وأخطر عملية تؤديها هذه الوظيفة هي الابتكار وفيها يسعد المخلوق بلذة الكشف.. وجمال التعرّف وروعة التجديد. لهذا استخلف الله الإنسان في الأرض..
وعهد إليه بواجب القوامة على ما تحفل به من موارد وثروات وإمكانات. صحيح أن هذا المخلوق البشري قد يخطئ. ولكنه أيضا قد يصيب. وصحيح أن يدعو الإنسان أحيانا بالخير بقدر ما يدعو في أحيان أخرى بالشر.. لكنه في كل حال موكّل بمسؤولية عمران الكون وصون آلائه والتحدث بما يحفل به من نعمة سابغة أفاءها فاطر الأرض والسماوات على سائر المخلوقات التي تدب فوق أديم الأرض من بشر ومن حيوان ومن نبات ومما نعلمه وما لا يعلمه سوى فالق الحب والنوى سبحانه وتعالى.
الترانزستورفي سنة 1956 أعلنت جائزة نوبل الدولية أسماء مستحقيها. فاز بالجائزة الرفيعة في مجال الفيزياء ثلاثة من الأميركيين هم جون بردين, والتر برتيس وويليام شوكلي. وكان السبب أنهم شاركوا بصورة أو بأخرى، ورغم اختلافات وخلافات نجمت بينهم، في فكرة وإنتاج ابتكار جديد في دنيا الإذاعة المسموعة حمل فيما بعد اسم «راديو الترانزستور».
التوصل إلى اختراع هذا الراديو، الصغير الحجم، الميسور الحركة والتناول، تسجله دفاتر الاختراع في نيويورك بتاريخ 17 يونيه 1948. صحيح أن تلك الفترة كانت تمثل بصورة أو بأخرى ذروة المجد بالنسبة للإرسال الإذاعي المسموع من الراديو التقليدي الذي دخل حياة الناس على استحياء أولا منذ أوائل العشرينات..
واستوى يافعا خلال عقد الثلاثينات، ثم أكدت الحرب العالمية الثانية مدى نجاعته وكفاءته بوصفه أخطر وسيلة ـــ ميديا في مجال الاتصال الجماهيري، استخدمها الحلفاء الأوروبيون والأميركيون ومعهم الحلفاء الشوعيون أيام ستالين في روسيا.. بقدر ما تفنن في استخدامها أيضا أعداؤهم في ألمانيا النازية على نحو ما زالت تؤرخه دراسات علوم الإعلام والاتصال.
وبعد انقضاء الحرب الساخنة في عام 1945، وبعد أن نقلت إذاعات الراديو في أرجاء العالم كله أنباء انتصارات إيزنهاور وزوكوف في برلين، ودخول ديجول فرنسا بعد تحريرها، واقتحام ماك آرثر الأميركي طوكيو بعد اندحار جيشها الإمبراطوري.. بعد هذا كله استوى الراديو بحق على عرش الإعلام.. لم ينافسه في ذلك إلا جهاز إعلامي كان يتسلل إلى الساحة دون أن تتعارف عليه الجماهير في ذلك الحين ـــ اسمه التليفزيون.
مع هذه السطوة الإذاعية ـــ كان الراديو التقليدي يمثل مشكلة يعاني منها مالكوه وعشاقه على السواء. وكانت مشكلة مزدوجة إذ كان الراديو من ناحية كبير الحجم ومن ثم صعب التناول والتحريك. ولو دققت في أفلام الأبيض والأسود القديمة ما بين إنتاج هوليوود إلى إنتاج القاهرة لوجدت جهاز الراديو التقليدي قطعة لا بأس بحجمها وجرمها تحتل موقعا مميزا في غرف المعيشة أو قاعات الاستقبال.
وقد استوت تلك القطعة بشكل مهيب فوق رف خشبي متين بسطوا من فوقه مفرشا من قماش مزركش ولا بأس من أن يعلو جهاز الراديو منّبه من ماركة الترام أو فازة زهور عتيقة زينة.. للناظرين.. والمستمعين.
الراديو القديم ـــ اللاسلكي التقليدي كان يعمل باستخدام الأنابيب المفرغة..
ومن ثم كان التشغيل يقتضي وقتا لتسخين أدوات التشغيل قبل استقبال الإرسال.. فيما يقتضي بداهة مصدرا ـــ كهربائيا لهذا التسخين. وهنا ولدت فكرة الترانزستور الذي يستخدم بطاريات جافة صغيرة الحجم ويتيح تمرير التيار من موقع داخل الجهاز إلى موقع آخر مستخدمين في ذلك مادة السليكون ذات الأساس الرملي.
ولقد ظل الناس يتسامعون عن هذا الراديو الصغير الذي يمكن حمله في اليد أو داخل الجيب ولا يحتاج إلى توصيله، لا بتيار من كهرباء المنزل، ولا بالبطاريات السائلة ذات الحجم الكبير.. إلى أن جاء عام 1953 حيث شاهد رواد معرض الأجهزة الدولي في مدينة دسلدورف الألمانية أول جهاز ترانزستور في التاريخ.. وفيما احتفل به النقاد والمختصون عمد منتجوه من ولاية إنديانا الأميركية إلى طرحه تجاريا في السوق باسم (ريجنسي بي. آر) وكان ذلك يوم 18 أكتوبر عام 1954 وبلغ سعره أيامها 55 دولارا (نحو 390 دولار بأسعار أيامنا الحالية).
وسرعان ما أقبل عليه المستهلكون ـــ المقتدرون طبعا ـــ فكان أن باع هذا النموذج نحو 150 ألف جهاز. وإذ كانت اليابان ـــ شأن كل أمة تتمتع بالحيوية وترفض الجمود ـــ قد أفاقت من صدمة انكسار الحرب العالمية، وقررت أن تعبر هزيمتها ـــ فقد بادرت يومها إلى تلقف جهاز الترانزستور الجديد.
والأكيد أنها تدارست السوق لتدرك مدى الإقبال على اقتنائه.. فكان أن عمدت إلى تقليد، ومن ثم تطوير النموذج الأميركي الرائد ثم طرحت في السوق نموذجها الياباني بسعر أرخص ولو نسبيا (30 دولارا بأسعار عام 1957). وهي أسعار كان لا بد أن تنقص إلى ما دون العشرة دولارات في عقد الستينات وما بعده خاصة وقد دخلت نفس المضمار هونج كونج مما أدى إلى إغراق السوق بأجهزة الترانزستور من كل شكل ولون.
في منطقتنا العربية.. تزامن عصر راديو الترانزستور مع حقبة صعود حركة القومية العربية واشتداد ساعد الدعوات السياسية التي رفعت شعارات الوحدة والعدالة والاستقلال وحقوق الشعوب.
وعلى خلفية أحوال التخلف الاقتصادي التي كانت تعانيها الشعوب العربية سواء بفعل الاحتلال الأجنبي أو بسبب مواريث العصور التركية ـــ العثمانية ـــ لجأ الناس إلى التعويض عن نقص الكهرباء بالإقبال على اقتناء أجهزة الترانزستور التي حملت إليهم في البوادي والصحاري وفي النجوع والأرياف أصوات زعمائهم وفي مقدمتهم عبد الناصر، وشدو مطربيهم وفي مقدمتهم أم كلثوم. وفي إطار هذا الرواج طرحت نماذج مستجدة وطريفة من هذا المذياع العجيب.. أو الذي كان عجيبا في الربع الثالث من القرن العشرين حيث كان رعاة الإبل والأغنام في الصحراء العربية.
وكان الفلاحون والمزارعون في أودية أنهار المشرق والمغرب العربي يعلقون الترانزستور في فرع شجرة ثم ينجزون أعمالهم وهم في حال استماع إلى ما يحبون، وهو أمر لم يكن متاحا حتى بالنسبة للمنافس الأقوى الذي استجد على حياة الناس باسم التلفزيون.. وفي كل حال فلا يزال الإقبال متواصلاً على اقتناء الراديو الصغير في عالم اليوم وخاصة بعد استخدام تكنولوجيا الحواسيب الرقمية لدرجة أن أحدث الإحصاءات تفيد بأن العالم يضم حاليا ما يقرب من 7 مليارات راديو ترانزستور.
إشارات المرور
مواطنو العالم يتجهون باستمرار إلى سكنى المناطق الحضرية. ويتوقع صندوق الأمم المتحدة للسكان أن يعيش نصف سكان الكرة الأرضية في المدن، في غضون العقود القليلة المقبلة لدرجة أن تدفق عمليات الهجرة والنزوح متواصلة من أرياف العالم وبواديه. وقد أصبحت ظاهرة الازدحام الحضري وبخاصة فيما يتعلق بحركة المرور ثم وبالأخص حركة السيارات إزاء حركة السابلة والمشاة، أصبح هذا كله شغلا شاغلا للمختصين والمسؤولين عن قضية تخطيط المدن وإدارة الحياة في ربوعها.. وينبغي أن يكون.
والحق أن هذا الشغل الشاغل لم يراود الناس إزاء ازدحام المدينة فقط.. وإنما راود أفكارهم وتطلعاتهم مع دخول السيارة حياة المجتمع الحديث.. وبالذات مع سنوات العقدين الأول والثاني من القرن العشرين. وإذ كانت الحاجة كما يقال ـــ هي أمّ الاختراع فإن المأساة التي شهدها الشاب الأميركي جاريت مورغان كانت هي الدافع الذي حفزه على الاختراع.
جاريت أوغسطس مورغان ـــ مولود من أبوين كانا من سلالة العبيد الملونين الذين جاءوا بهم من ربوع أفريقيا في حقبة حافلة بالأسى والشجن من هذا العصر الحديث.. رغم أحزان العبودية، نشأ الشاب الأميركي الملون في ولاية أوهايو وقد وهبه خالقه عز وجل عقلا مبتكرا وقريحة حافلة بشتى الأفكار.. في سنة 1914 هدته قريحته إلى ابتكار غطاء خاص للرأس يصلح بالذات للوقاية من أخطار الأجواء المفعمة بالبخار والضباب..
ورغم أن البعض كان ينظر إلى تلك الأفكار على أنها نوع من الخيال ـــ الروائي العلمي، إلا أن ابتكارات سليل الأفارقة الملونين في أميركا أثبت فائدتها الجمة حين استخدموها يوم 25 يوليو 1916 لإنقاذ عدد من العمال الذين كانوا حوصروا داخل نفق طويل. بعدها نشرت صحف تلك الفترة أنباء الإنجاز وتدفقت الطلبات لشرائه من مخترعه الشاب.. ثم أمكن تطوير هذا الابتكار ليصلح قناعا واقيا من الغازات السامة خلال الحرب العالمية الأولى.
أما الحادثة ـــ المأساة فقد فاجأت جاريت مورغان ذات صباح من عام 1914حين اصطدمت سيارة مسرعة بعربة تجرها الخيول.. وأصيبت في الحادثة طفلة صغيرة بإصابات بالغة. أيامها كانت حركة المرور في مدينة كليفلاند ـــ أوهايو.. يتم تنظيمها يدويا على يد شرطي يحمل علامتي «قف» و «تقدم».
وبالطبع كان النظام مرهقا ويتطلب قوى عاملة فضلا عن افتقاره للدقة الحازمة في إيقاف ومواصلة حركة المرور. هكذا اهتدى غاريت مورغان إلى نظام يشتغل بالكهرباء ويستخدم اللونين الأخضر للحركة والأحمر للوقوف، فيما يستخدم جرسا للتحذير يدق لحظة الضغط على زر مخصوص. وكان هذا أول جهاز لإشارات المرور في شكلها المعروف في العصر الحديث.
وقبل أن يضاف إليه اللون الأصفر ـــ العنبري كما يصفه الخبراء لزوم التنبيه أو التحذير، وطبعا قبل أن يستفاد من منجزات العقود الأخيرة من القرن العشرين ـــ سواء بالأجهزة الأوتوماتيكية أو الالكترونية أو بالكاميرات التي تسجل بالتصوير الدقيق أنواع المخالفات التي يعتمدها قضاة المرور بحق السائقين الذين يحلو لهم منطق التبرير دع عنك الرفض والإنكار من الأساس.
المهم أنه تم تركيب هذا الجهاز الرائد من إشارات المرور عند شارع 105 في كليفلاند وكان ذلك يوم 5/8/1914. وكان على لندن بجلالة قدرها أن تنتظر تركيب إشارات مرورها الكهربائية الأولى في عام 1927 رغم أنها كانت قد سبقت إلى استخدام الأجيال الأولى من إشارات المرور منذ عام 1848(!) حين قام المهندس الإنجليزي ج. ب. نايت بتركيب إشارات ضوئية تستخدم غاز الاستصباح (طبعا قبل اكتشاف الكهرباء) ويقوم بتشغيله شرطي مخصوص.
وكان ذلك لتنظيم حركة المركبات والخيول أمام البرلمان الإنجليزي. لكن يبدو أن لندن قررت تأجيل حكاية الإشارات المرورية ردحا ليس بالقليل من الزمن بعد حادثة انفجار مصابيح الغاز المستخدمة وإصابة الشرطي المسؤول عنها بجروح جسيمة.
محمد الخولي

