تبرز أهمية التربية كأداة وكهدف في حد ذاته لتنمية وتطوير القدرات البشرية، فالتربية كأداة تعني أيضاً التعلم واكتساب المعارف والمهارات والقيم من أجل العمل المنتج للفرد والمجتمع. وتعني أيضاً التعلم من أجل كسب ثقافة عامة عن الإنسان الآخر، تاريخه، أسلوب عيشه، منطقه، مما يسهم في بناء التعايش مع الآخر، إضافة إلى تعلم التكيف مما يسمح بإمكانية مزاولة مهام مختلفة وداخل مجموعات عمل متنوعة، إلى جانب التعلم من أجل اكتساب الذات كطاقات وقدرات.

أما التربية كهدف، فتعني الوصول إلى التطوير وبالتالي إلى مستوى أرقى لهذه القدرات والطاقات، مما يستلزم المزيد من البحث والجهد لرصد القدرات غير المستعملة للرقي بها إلى أبعد مدى مما يسمح للإنسان بالاستفادة القصوى من طاقاته وقدراته بشكل عام.

وللحديث عن تطوير قدرات الإنسان لابد من الإشارة إلى حاجات هذا الإنسان، فالملاحظ أن هذه الحاجات تتطور بشكل عام بمعنى أن هناك حاجات طبيعية تفرضها طبيعة الإنسان، وحاجات تفرضها درجة التطور الحاصل في المجتمعات.

تأسيساً على هذا يمكن أن نتحدث عن قدرات الإنسان، والسؤال الذي يطرح هو هل هذا الإنسان يعي كل قدراته؟ وهل يملك وعياً شاملاً بكل قدراته؟ وهدا يدفعنا للتساؤل عن مدى توظيف هذه القدرات المكتشفة وغير المكتشفة بالشكل السليم في خدمة حاجاته ومن تم تحسين مستوى عيشه في جميع المجالات؟

إن مفهوم التربية مدى الحياة بكل عناصره يجيب بشكل وافٍ عن هذه الأسئلة المطروحة، فالقدرات الإنسانية هي الطاقات والإمكانات التي يتوفر عليها الفرد والمجموعات البشرية على السواء. وهذه الطاقات منها ما هو مهمل وما هو موظف بشكل سيئ. فتطوير القدرات البشرية يستلزم توسيع الخيارات، بمعنى توفير إمكانيات متعددة أمام البشر. فتعدد الإمكانات يعني في جوهره الحرية، الحرية الفردية والجماعية وهي حرية مشروطة بمعنى الحرية المنظمة والمقننة والتي تراعي مصالح كل الأطراف.

على هذا الأساس يمكن إنتاج موارد بشرية قادرة على امتلاك رؤى وتصورات استراتيجية، موارد تحترف التخطيط المتعدد الإبعاد والقادرة على اقتراح المشاريع المنتجة والمندمجة، وتخلق آليات التنفيذ والتقويم والمتابعة لإنجاح الخطط التنموية.

ولا يكفي التوفر على تصور وبناء وخطط لإنجاح التنمية رغم أهميتهما القصوى، إذ لابد من التوفر على قدرات وموارد بشرية مبدعة وخلاقة لتجسد هذا التصور والخطاطات التنموية. من هنا تبرز أهمية تقوية قدرات الإنسان في عملية التنمية مع استحضار أن الإنسان هو الأداة والهدف في المسلسل التنموي.

خلال العقد الأخير من القرن الماضي، بدأ الحديث عن التربية برؤية ومنظور جديدين وذلك من خلال إعادة النظر في ماهية ومفهوم التربية.