ينتمي مسجد العقروبي إلى تلك المجموعة المحدودة من المساجد الأثرية التي لا تزال صامدة وباقية حتى اليوم، والتي يشعر كل مهتم بالمساجد والجوامع في الإمارات بسعادة حقيقية لأنه قدر له أن يراها أولاً، ولأنها لا تزال تؤدي وظائفها في خدمة أبناء الأحياء التي تقوم بين ظهرانيها، ولأنها ثالثاً تقدم النموذج الذي لم يقدر له أن يحظى بالاهتمام والالتفات ومحاولة الاستلهام من جانب المعماريين الذين عملوا في ميدان العمارة المسجدية في الإمارات.

الحقيقة الأساسية، إذن، فيما يتعلق بمسجد العقروبي هو أنه يزيد عمره على قرن من الزمان، فقد تم بناؤه في عام 1904 بمبادرة من السيد عبد الله راشد العقروبي، ومن الواضح أنه جرى ترميمه مرات عدة، والأمر الأكثر وضوحاً هو أنه بحاجة إلى التفاتة آن أوانها، نأمل أن تكون على يد اختصاصيين يؤدون مهمتهم بروحية الباحث المتخصص قبل أي شيء آخر.هذا المسجد الذي يقع في منطقة الخان بالشارقة، تؤكد كل جزئية فيه على هويته المحلية، تصميماً وتنفيذاً وزخرفة واختيارا لمكونات موقعه وعلاقتها بعضها بالبعض الآخر.موقع المسجد، الذي لا يمكن القول إنه يحظى ـــ حالياً ـــ بالقدر الذي يستحقه من العناية يقع غير بعيد عن البحر، وهو أمر طبيعي ومنطقي، فهو قد شيد لخدمة أبناء المنطقة الذين إما أنهم كانوا يعملون بالصيد أو بالتجارة، وهما أمران يتصلان بالبحر.وتلفت نظرنا في هذا الموقع، وفي المسجد بكامله، مجموعة من النقاط المهمة، التي نعتقد أنه من الضروري الوقوف عندها بالتأمل.

تعودنا من الناحية البصرية في مساجد الإمارات الأثرية القديمة التفات مشيديها إلى المقتضيات العملية في البناء، ويصل إلى المكونات المتدرجة في الصورة العامة للمسجد كما هي مستقرة في الذاكرة الجمعية للمسلمين، حيث ينصب الاهتمام على قاعة الصلاة نفسها، وضمان قوتها وتماسكها وصمودها لأطول فترة ممكنة، ومن هنا قلما انصرف الاهتمام إلى المئذنة أو القبة. وخلافاً لذلك فإنه على حين تغيب القبة عن هذا المسجد، فإن المئذنة تلفت نظرنا بطابعها المميز وقد ارتفعت حوالي ثلاثة أمتار عن الأرض. وأيضاً خلافاً لما تتصور من نهوض المئذنة إلى جانب قاعة الصلاة مباشرة أو بالاندماج العضوي معها فإن المئذنة هنا تبعد عن قاعة الصلاة ثلاثين متراً تقريباً، وهي تردد أصداء ما ألفناه في عمارة الحصون، وباستثناء ثلاثة عناصر، أولها وجود قبة صغيرة في أعلاها، وثانياً بابها الخشبي الكبير، وثالثاً الفتحات التي تزنرها بانتظام غير بعيد عن قمتها.

* نتوقف طويلاً عند قاعة الصلاة، التي تتخذ شكل كتلة مستطيلة، ويلفت نظرنا أنه خلافاً لما درجت عليه الحال في معظم مساجد الخليج الأثرية والقديمة فإن حائط القبلة يضم ثلاثة أبواب كبيرة ينهل منها الضوء الطبيعي الذي ينير القاعة، التي تبلغ مساحتها 80 متراً مربعاً تتسع إذا أضيفت إليها الباحة الخارجية لاستيعاب 110 مصلين. * يحيط بموقع المسجد سور يبلغ ارتفاعه قرابة المتر ينتظم في داخله التوظيف البارع للمساحة الرحبة، حيث يتوزع فيها كل من المئذنة وقاعة الصلاة وتسهيلات الوضوء والباحة الخارجية التي تتسع للأعداد الزائدة من المصلين، وتتحول إلى ملتقى لهم، عندما تسمح ظروف الطقس بذلك.

* الحضور القوي لمواد البناء المحلية سواء أكانت مستمدة من البحر أم البر لابد أن يلفت نظرنا، ونتوقف عند الأعمدة الخمسة التي ترفع السقف المتخذ من الأخشاب التقليدية عبر تيجانها القوية وعقودها المستقيمة.

* أبرز ملامح المشروع الزخرفي الذي لا يغيب عن قاعة الصلاة يتمثل في المحراب، الذي يعكس تناسباً جميلاً من ارتفاع الجدار، وتدور به بلاطات مزججة ذات زخارف هندسية ملونة. ونلحظ أن الكوى والمنافذ الموجودة في أعلى جدار القاعة تتردد أصداؤها هنا في كوة في وسط المحراب.

ولسنا نشك في أن هذا المسجد سيحظى، في المستقبل القريب، بالتفاتة من الاهتمام والرعاية والترميم العلمي تتناسب مع قيمته الأثرية ولأنه في نهاية المطاف الأصل الذي آن الأوان لاستلهامه في سياق جميل وجليل في عمارة الإمارات المسجدية.

كامل يوسف - تصوير: محمد شاهين