* أنّات حائرة- حين يتاح للأولاد ـــ والأحفاد ــــ أن يسترجعوا ذكريات مع آبائهم وأجدادهم فإنهم يقدّمون صوراً حيّة، شديدة الأهمية عن تعاملهم مع ذويهم، وانطباعاتهم عن الأيام الخوالي، ويذكرون أموراً لم يذكرها الشعراء في أشعارهم أو الكتاب في ذكرياتهم.

وممّن تحدّث من الأبناء ــــ عن ذكرياتهم مع آبائهم ــــ علي بن أمير الشعراء أحمد شوقي، وعفاف ابنة الشاعر عزيز أباظة، وابنة الكاتب الشاعر مصطفى صادق الرافعي.في كتاب (أبي عزيز أباظة) قالت:«وكان أبي يردد شعر شوقي، ويطلب منا أن نردّده وراءه، وأن نحفظه، فقد كان شديد الإعجاب به شديد التعصّب له، وكان أخي في سنّ السادسة يحفظ الكثير من (مجنون ليلى) ويمثَّل دور المجنون أمام زينب صدقي التي اشتهرت بدور (ليلى) في ذلك الحين...».وقالت في مجال آخر إن والدها كان يتغنى ببعض الشعر القديم الجيّد، حتى أن الشعر والموسيقى والغناء صارت تملأ حياتهم في المنزل، وزادت بعد ذلك: «وعرفنا أم كلثوم، وكانت لها مكانة خاصة في بيتنا.. وكانت تعود من حفلها الساهر إلى بيتنا وتسهر.. حتى الصباح تغنّي آخر وأحدث أغنية لها».وأكدت العلاقة في منزل الشاعر بين الشعر وبين شؤون الحياة، فقالت: «وكلما نظرت الآن ورائي إلى البيت الذي كانت فيه أمّي أراه كالحلم كله شعر وحبّ ووفاق»..

وكان مع أولاد عزيز أباظة في مرحلة من حياتهم بعض أبناء خالتهم وقد ألح هؤلاء على الشاعر أن ينجز وعده لأحمد شوقي بنظم قصة (قيس ولُبنى)، واستمروا على إلحاحهم حتى بدأ النظم، ثم استمر وظهرت المسرحية التي مثلت ونجحت، وأول ما قال ارتجالاً بين يدي أولاده وأقاربهم:

أديري علينا شهيّ السِّيَرْ

وقولي فقولك راحُ السّمرْ

فديتك لُبنى فهل عن هوىً

حديث وهل عن محبّ خبر؟

ثم تَوالى الشعر...

وكان زوجة الشاعر قد توفّيت مبكراً وأولادها بين سن الطفولة والمراهقة فأثر ذلك في حياة الوالد، وحياة الأولاد. وعرفن معنى اليُتم من جهة وعرفن الأسى والحزن حين يكون من شاعر ذي عاطفة جياشة، وقلب شفيق، وحين عزم الشاعر أن على أن يتزوج بعد وفاة والدتهن بمدّة كن ضدّ هذه الفكرة ــــ على رغم صغر أعمارهنّ ــــ ومن خلال قوة الشخصية التي مرّنهم أبوهم عليها (....................) ناقشن الوالد بحسب قدرتهن آنذاك على المناقشة، وكأنهنّ قد ازددن في العمر سنوات مديدة، وتكلمن من وراء سنّ طويلة.

وواجهته إحداهن ببيت من الشعر قاله في رثاء الأم:

سألقاك لم يشغل فراغ تركته

ببيتي، ولم يملأ مكانك من قلبي!

وهو من قصيدة في ديوانه (أنّات حائرة) أكثر فيه من رثائها. وفي هذا الجوّ، خاطب الشاعر:

وبنيّاتٍ تَخَطّرْنَ على

رونق العمر ومَوْشِيّ صباه

قلن ما خَطبُ أبينا بعد ما

هصرت بين ذراعيه مناه؟

فبكاها وبكاها ومضى

مثلاً يُضرب في الدهر وفاه

يا بنيّاتي من ذاق الهوى

قُدساً عاد إليه فارتواه!

يا بنيّاتي إذا القلب صبا

وهن العزم وخارت قدماه

فإذا عوتب في صبوته

لجّ فيها، هكذا الله براه!

لقد انشغل بال بنات الشاعر بفكرة زواجه مرّةً أخرى، فقبل بعضن ورفضن الآخر، ووضعن المسألة على وجهِ عمليّ، وفي مناظرة علنية، ثم قالت أ. عفاف بنت الشاعر تعليقاً:

«والغريب أنه عندما أُعلن خبر زواجه أرسلت إليه سيّدات من العراق وسوريا يستنكرن ذلك، ويعتبرن أن قلعة الوفاء للمرأة قد انهارت، ويلوحن له بديوانه: «أنّات حائرة» ونشر بعضهنّ مقالات في مجلة الرسالة كلها لوم وعتاب....... إلخ.

فهذا وجه من وجوه الصلة بين الآباء والبنات لا تنقصهُ الواقعيّة ولا الطرافة أو الغرابة.

أ.د محمد رضوان الداية