لم تكن (السبخة) بالنسبة له مجرد سوق أو منطقة تجارية. صحيح أنها كانت مركز المدينة التجاري أو وسط المركز بتعبير أدق، وصحيح أن أغلب المحلات التجارية كانت تقع فيها وحولها، وصحيح أن الوصول إليها من جهات المدينة الأربع كان متساويا تقريبا. كل هذا صحيح، لكنها كانت بالنسبة له شريانا ينبض بالحياة من كل صنف ولون.
وكان أجمل ما في هذه الحياة التي ينبض بها هذا الشريان هي البساطة التي كانت تتميز بها المنطقة مع جمعها للأطياف المتنوعة من البشر، والأنواع المتعددة من البضائع، والمستويات المختلفة من المحلات التي تتكون مما كان يطلق عليه وقتها (العمارات) مثل (عمارة الحباي) وغيرها، ومن المحلات التجارية التقليدية المتخصصة في بيع البضائع المختلفة.
ومن (البسطات) الصغيرة التي يفترش أصحابها أرض الساحة عارضين بضائعهم البسيطة التي تتنوع جامعة بين الملابس والأدوات المنزلية والساعات والأغذية وكل ما يحتاجه الإنسان، في مشهد أشبه ما يكون بجمعية تعاونية دون أسوار أو مركز تجاري مفتوح، قبل أن تعرف البلاد الجمعيات التعاونية والمراكز التجارية، وقبل أن يتغير وجه الحياة فيها على النحو الذي نراه اليوم.
كم يعرف هو أوغيره من أسماء أصحاب الوجوه التي كانوا يرونها كل يوم في (السبخة)؟ لم يكن هذا مهما، فالمهم هو ما تمثله هذه الوجوه بالنسبة له ولكل من يرتاد هذه المنطقة الحيوية من مدينته »ديرة«. كانت وجوها تحولت إلى جزء من هذه الساحة لا يمكن للزائر أن يميز (السبخة) أو يعرفها إلا من خلالها.
لذلك كان غياب واحد من هذه الوجوه عنها أمرا يمكن ملاحظته بقوة إلى الدرجة التي يمكن أن يكون داعيا للتساؤل عن سبب غيابه. لم تكن وجوها جميلة بالمعنى الظاهري للجمال كما قد يتبادر إلى بعض الأذهان، لكن جمالا من نوع خاص كان يشع من داخلها. إنه جمال الأصالة الذي يحب، ورائحة الأرض التي يعشق، وأول خيوط ذاكرة المكان التي كانت تتكون لديه في تلك المرحلة الجميلة الموسومة بالبراءة والنقاء.
لم يكن في سن تسمح له بالشراء والتبضّع من أي من المحلات و(البسطات) المنتشرة في الساحة، لكنه كان في سن تفتح الوعي على الحياة واصطياد اللقطة المثيرة للانتباه وتكوين الأنماط الثابتة التي تتكرس لتصبح بفعل الزمن وتراكم خبرات الحياة أفكارا من الصعب انتزاعها من الذهن أو تغييرها، وصورا تتشكل منها فسيفساء النفس التواقة للجمال الداخلي العصي على الذبول.
تُرى ما الذي بقي من معالم السبخة القديمة وما الذي زال منها؟
سؤال يتردد كثيرا في طرحه مثلما يتردد في زيارة تلك الساحة التي انقطع عن زيارتها منذ فترة طويلة، محتفظا بالصورة التي تكونت لديه عنها في مرحلة مبكرة من العمر قبل أن تحمله أمواج الحياة إلى شواطئ كثيرة، وجد فيها أشياء جمة لا يستطيع إلا أن يعترف بجمالها، ولكن يبقى لكل صورة جمالها الخاص وروحها. لذلك فهو يخشى اليوم أن يزور ذلك المكان رغم كل الحنين الذي يشده إليه خشية أن يجد الجواب صادما ومحبطا.
يفضل اليوم أن يحتفظ بتلك الصورة التي وعاها العقل واحتفظ بها في الذاكرة بكل البساطة التي عرفها فيها على أن يزورها فتصفع عينيه الوجوه الغربية التي تحتلها، والأقدام الجديدة التي تطأ أرضها، والروح التي لم تعد روحها.
بعض صور الذاكرة غير قابلة للحذف والإضافة، لأن أي إضافة إليها تشوه معالمها، وأي حذف منها يسلبها أجمل ما فيها؛ يسلبها روحها التي لا تتكرر ولا تشبهها روح أخرى مهما كان جمالها.
