»يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة عليها ملائكةٌ غلاظٌ شدادٌ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون« سورة التحريم آية (6)

نداءٌ يستنهض همم المسلمين، ويذكرهم بمسؤوليتهم أمام الله نحو أنفسهم وأهليهم.. نحو الزوجات والأزواج والأولاد.. والآباء والأمهات والأقارب، فيأمرهم عز وجل: »‏قوا أنفسكم«‏ بترك المعاصي وفعل الطاعات، ‏»وأهليكم«‏ بأن تأخذوهم بما تأخذون به أنفسكم‏، »ناراً« فظيعة مستعرة: »وقودها الناس والحجارة« فهي نوعٌ من النار لا يتقد إلا بالناس والحجارة كما يتقد غيرها من النيران بالحطب‏، وعن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ هي حجارة الكبريت وهي أشد الأشياء حراً إذا أوقد عليها‏. ما أفظع تلك »النار« التي يكون الناس فيها كالحجارة في المنزلة الدنيا، فتجمع إلى شدة الحرق المهانة والحقارة. ويزيد من غلظة عذابها أن الذي يلي تعذيب أهلها ‏»ملائكة«‏ ـ يعني الزبانية التسعة عشر وأعوانهم ـ »غلاظٌ شدادٌ « فيهم جفاءٌ وقوة، لا تأخذهم رأفة في تنفيذ أوامر الله والغضب له والانتقام من أعدائه »لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون«.

لذا وجب على المؤمن أن يصلح نفسه ليتسنى له إصلاح أهله، فإذا كان المصلح في نفسه سيئاً، فكيف يؤثر في الآخرين؟! قال الضحاك ومقاتل: حقٌ على المسلم أن يعلم أهله من قرابته وإمائه وعبيده ما فرض الله عليهم وما نهاهم عنه. وقال تعالى لنبيه: »وأنذر عشيرتك الأقربين« وفي الصحيحين: »كلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته، الإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها.

والخادم راعٍ في مال سيده ومسؤول عن رعيته«. فهلا استشعرنا هذه المسؤولية تجاه الأهل وأدركنا حجم الجرم الذي نرتكبه بإهمالنا تربية أولادنا وإرشاد أهلنا، فما أبشعه من جرمٍ تضييعهم بعدم التربية والتجافي بهم عن موارد الهلكة، يصدِّق ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: »كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول«‏.‏

إن تبعات المؤمن تجاه أهله والعناية بهم تزداد أهمية في عصرنا نظراً لأننا نعيش واقعاً مراً لما نراه من كثرة المحرمات التي استشرت في مجتمعاتنا، ومن كثرة الانغماس في مستنقعات المعاصي والابتعاد عن شرع الله عز وجل، ومن تقدم غير مسبوق في الإعلام والاتصال من فضائيات وشبكة إنترنت و...، مما سهل اقتحام ثقافات وأفكار لا تتماشى مع تعاليم ديننا الحنيف بيوت المسلمين، مما يوجب على الآباء معرفة الفضائيات التي تشاهدها أسرهم، ومواقع الإنترنت التي يدخلون عليها.

وعدم التساهل مع الثقافة التي تبثها وسائل الإعلام المختلفة لأن منها ما يمارس التضليل الإعلامي المغذي لخطط الشيطان ومن هنا توجب على الآباء و الأمهات العناية والحرص على مستقبل أبنائهم.

كما ينبغي عليهم متابعة مصادر التلقي والثقافة التي يستقي منها الأبناء أفكارهم ومعارفهم، وعدم تركهم يحترقون بنار تضليلها، بل عليهم البدار بصناعة الجو الإعلامي والمنبع المعرفي الذي يقي أولادهم من النار كاختيار المحطات ذات الصبغة الإسلامية الصحيحة المعتدلة وكذلك صفحات الإنترنت التي تعمق من التزامهم الديني.

محمد علي الأطرش