من بين رواد النهضة الثقافية والتنوير واستنهاض الوعي الوطني والقومي في الكويت ومنطقة الخليج، في بدايات القرن العشرين، يبرز ــ متميزاً بسعة ثقافية، وبعد نظره، ورحابة رؤيته القومية ــ الشاعر والأديب الكويتي »خالد الفرج«، الذي انطلقت به روحه القومية الوثابة، عبر حدود وطنه الصغير، إلى رحابة »بلا حدود«، فصار بحق ــ »أديباً بلا حدود«.
وقد عبر عن بعض ذلك مبكراً الكاتب الفلسطيني الكبير »محمد علي الطاهر«، صاحب مجلة »الشورى« التي كانت من أبرز منابر الإصلاح والاستنهاض في الوطن العربي، فأطلق عليه لقب: »شاعر الخليج«. وقد عقب »خالد الفرج« على هذا اللقب بقوله: »ومن البلاء تفردي فيه!«.
في »الكويت«، في عام 1316 هــ/ 1898م، ولد »خالد الفرج«، في أسرة موفورة النعمة والجاه، هيأت له سبل الدرس وطلب العلم، التي لم تكن متاحة للغالبية الساحقة من أبناء جيله وأجيال قبله وبعده.
وفي »الكتَّاب« تلقى دروسه الأولى، ثم واصل الدرس على أيدي مدرسين خصوصيين أكفاء. فلما افتتحت أول مدرسة حديثة في الكويت ــ »المباركية« ــ سنة 1912، التحق بها، وظهر تفوقه ونبوغه، فكلف بالتدريس فيها، حيث توثقت علاقته بأستاذه رائد التنوير والصحافة في الكويت والخليج الشيخ »عبدالعزيز الرشيد«، الذي تولى إدارة المدرسة بعد عودته من الدراسة بالأزهر بالقاهرة سنة 1917.
وإضافة إلى تأثره بالفكر والمشاعر التي عاد بها أستاذه من القاهرة، انكب على الدرس والإطلاع على أمهات المراجع وكتب الثقافة العربية القديمة والحديثة.
وفي سنة 1336 هـ/ 1918م، تطلعت نفس »خالد الفرج« إلى ما وراء حدود وطنه الصغير الفقير، فودع الديار، وأبحر في الخليج إلى مدينة »بومباي« بالهند، شأن الكثيرين من أبناء الكويت والخليج، الذين كانوا يذهبون إلى الهند للعمل والتجارة والسياحة.
كانت »بومباي« وقتذاك مدينة شبه عربية، ازدهرت فيها مراكز تجارة وتجمعات ومكتبات ومطابع عربية، فطاب فيها المقام »لخالد الفرج«، وعمل كاتباً لدى أحد التجار الكويتيين، وأخذ يتعلم اللغة الانجليزية واللغات الهندية، ويطلع على الآداب الهندية والثقافة الهندية، ثم أسس مطبعة عربية طبع فيها نخبة من الكتب الأدبية، وسماها »المطبعة العمومية«، وكان من ثمار تجربته في المطبعة محاولته لتبسيط كتابة الحروف العربية وإصلاح ما لمسه من مشاكل، فوضع مشروعاً متكاملاً نشره في كتاب بعنوان: »علاج الأمية في تبسيط الحروف العربية«.
لقد أمدته الحياة في »بومباي« بزاد وافر من الثقافة العامة وأكسبته معارف وصداقات كثيرة من صفوة أبناء الخليج وغيرهم الذين لجأوا إليها لظروف مختلفة، كما أفاد كثيراً من الصحف والمجلات العربية التي كانت تصل إلى »بومباي« ثم تجد طريقها من بعد إلى بلاد الخليج، ولو خفية مع المسافرين، وعرفت بعض كتاباته طريقها إلى بعض هذه المجلات.
بعد خمس سنوات حافلة في »بومباي«، عاد خالد الفرج إلى »الكويت«، لكن ضيق سبل العيش فيها، وظلام الجمود والتخلف والعزلة، الذي كان مطبقاً على صدرها، دفعاه إلى الرحيل عنها ثانية ولكن إلى »البحرين« هذه المرة، حيث وجد في ربوعها بغيته.
كانت »البحرين« آنذاك تعيش بواكير نهضة فكرية وأدبية، بظهور مدارس حديثة، وشباب مثقف وطني، وتفاعل مع مجلات النهضة وجرائدها التي كانت تصل إلى بعض الشخصيات المرموقة فيها، مثل الشاعر وشيخ أدباء البحرين وراعيهم »الشيخ إبراهيم بن محمد الخليفة«.
حط »خالد الفرج« رحاله في »البحرين«، وأطلق كل طاقاته، تفاعلاً مع حركة الحياة ومسيرة النهضة فيها، فعمل أستاذاً في مدرسة »الهداية الخليفية«، وعين عضواً في المجلس البلدي للبحرين، وراح يشارك في كل المناسبات الوطنية والاجتماعية بشعره.
ومن ذلك مثلاً إنشاده في الحفلة الكبيرة التي أقيمت في »النادي الأدبي« تكريماً للزعيم التونسي والمفكر المصلح العربي الشيخ »عبدالعزيز الثعالبي« عند زيارته للبحرين عام 1925، وقال فيها:
عبدالعزيز وأنت أفضل قادم
وافي بوقت للنهوض مناسب
بالله إن سطرت عنهم أسطرا
وكتبتها بنجيع قلب ذائب
فأبن لهم سر المذلة علهم
يقفوا على كيد العدو الواثب
واكتب وعظ وانشر خبايا حالهم
في الخافقين فأنت أفضل كاتب
وعندما شاركت »البحرين« في مهرجان مبايعة »أحمد شوقي« بإمارة الشعر عام 1927، بوفد يحمل هدية من أمير البحرين تمثل نخلة من الذهب الخالص برطب من اللؤلؤ النادر، كانت كلمة »البحرين« في المهرجان قصيدة للشاعر »خالد الفرج«، استهلها بقوله:
من منبت الدر تسليم وتكريم
لشاعر اللغة الفصحى وتفخيم
حياك في دارنا البحرين لؤلؤها
والنخل إذ بسمت فيه الأكاميم
وتتجلى رؤيته لرسالة الأدب في نهضة الأمم، وتوجهه القومي المبكر في ختام القصيدة، مخاطباً »شوقي«:
نهضت بالعرب لما أن أهبت بهم
إلى ارتقاء العلا: يا قومنا قوموا
وها هم اليوم في تكريمك اجتمعوا
إن كان يوفيك بعض الحق تكريم
ومن مظاهر مشاعره القومية، وجهوده في مقاومة السيطرة الاستعمارية أنه كان يراسل الكاتب الوطني المرموق في مصر »أمين الرافعي«، ويمده بأخبار مظالم الانجليز في البحرين فينشرها في صدر صحيفته »الأخبار«، وعندما توفي »أمين الرافعي« فجأة سنة 1927، رثاه »خالد الفرج« محزوناً بقصيدة مطولة من روائعه:
شيعت مصر »أميناً« مخلصاً
قط ما ساوم في الحق وحابى
أنجبته مصر، لكن له
في قلوب العرب أجداثاً رحابا
يا »أمين الشرق«، ودعت فهل
بعدك استخلفت للمظلوم بابا
هل لنا من ملجأ أو موئل
إن دعا المظلوم لبى وأجابا
سوف نبقى مثلما علمتنا
لحقوق الشرق لا نألو طلابا
وبالإجمال، كان »خالد الفرج« ــ طوال إقامته في »البحرين« ــ أحد أبرز فرسان الكلمة الوطنية والقومية الحرة المناهضة للاستعمار والتخلف، المستنهضة للهمم، الداعية للتقدم والعلم والاتحاد في الخليج والوطن العربي كله.
إثر نكسة الحركة الوطنية في »البحرين«، بسيطرة سلطة الاحتلال على مقاليد الأمور، وخلع حاكمها العادل المستنير، اضطر الكثير من رموز الوطنية إلى مغادرة البحرين، وكان منهم الأديب بلا حدود خالد الفرج.
عاد إلى الكويت، فأحيط بفيض من الاحتفاء والتكريم، واحتفل به أدباؤها، حيث ألقى في الحفل قصيدته الشهيرة »الغرب والشرق«، التي يستعرض فيها مواقف الغرب من تقدم وعمل لمصالحهم وأطماعهم في الشرق، ثم يبين حال الشعوب العربية وأمم الشرق بعامه من تفكك وتخلف واستبداد.. ويذكر في أثنائها محنة »البحرين« تحت نير الاحتلال، ويخز الضمير القومي ليستيقظ:
الغرب قد شدد في هجمته
والشرق لاه بعد في غفلته
يستجمع الغرب قواه لكي
يستعبد العالم في صولته
والشرق ويح الشرق من جهله
وهى به الإحساس من علته
يا قوم في أحوالنا عبرة
فليقم النائم من رقدته
فمن تغدى بأخي ضحوة
حتما تعشى بي في ليلته
يحمي كيان القوم إجماعهم
أولا، فأرسلهم إلى رحمته
من الكويت انتقل »خالد الفرج« إلى المنطقة الشرقية »بالسعودية« استجابة لتشجيع السيد »هاشم الرفاعي« على الرحيل معه لمعاونته في إدارة مالية »القطيف«، وهناك رحب به الملك »عبدالعزيز« وغمره بالتكريم، وولاه بلدية »الأحساء«، ثم بلدية »القطيف«. كما كان له نشاط جم نهض بالحركة الأدبية والحياة الثقافية في المنطقة.
وفي مجال إبداعه الشعري ومؤلفاته، خص الملك »عبدالعزيز« بالكثير من قصائده، وكتب ملحمة شعرية في سيرته بعنوان: »أحسن القصص«. كما أنجز كتابه »الخبر والعيان في تاريخ نجد وما يجاورها من البلدان« في ثلاثة أجزاء.
كذلك واصل إبداع أشعاره الاستنهاضية، وتلك التي تعالج أحداث عصره في البلاد العربية وفي العالم كله، فتظهر في ديوانه أسماء: »المهاتما«، »وهتلر وموسوليني«، و»بلفور«، و»ماك آرثر«، و»تيتو«، و»ترومان«، و»أيزنهاور«. هذا إضافة إلى أعلام العرب من الأدباء، ومن رجال السياسة، وتحظى قضية فلسطين بكثير من اهتمامه وأشعاره:
يا ليت أني بين القوم أنشدهم:
»لكل شيء إذا ما تم نقصان«!
وهل يفوز بشيء أعزل دنف
سلاحه اليوم آهات وأحزان؟
وهل ترجون حقاً لا يؤيده
من المدافع والنيران برهان؟
من صفحات سجله الحافل في »السعودية« إشرافه على الإذاعة السعودية وتنسيق.
برامجها، وتقديم بعض أحاديثه ومحاضراته وأشعاره، ومن آثاره أيضاً تأسيس مطبعة بالدمام التي اختارها مستقراً له، وسماها »المطبعة السعودية«.
أما مؤلفاته ــ غير ديوانه، وما سبق ذكره من المؤلفات فمنها كتاب بعنوان:»رجال الخليج«، و»ديوان النبط« الذي قدم له بدراسة قيمة عن الشعر النبطي وتطوره عبر العصور. وخلاصة القول إن حياته في السعودية كانت أيضاً حياة حافلة بالخدمة العامة والإبداع الواعي الملتزم بهموم المجتمع والأمة.
وقبيل وفاته بسنتين انتقل إلى »دمشق«، ولكن المرض الشديد أخذه إلى »لبنان« حيث قضى نحبه في أوائل عام 1954، طاوياً سيرة مثل عظيم لأديب ضروب بالحدود المصطنعة عرض الحائط، ورأى في كل بلاد العرب وطناً له بلا حدود، وهو قد عبر عن ذلك مبكراً بقوله:
هل في الجزيرة غير شعب واحد
قد مزقت بيد العدى وحداته
ولقد كان من أواخر عطائه الشعري قبيل وفاته، رائعة دينية عن المعراج، تفيض ألماً ولوعة على فلسطين، ويختمها بقوله الذي يعبر عن أحوالنا اليوم:
وغدت فلسطين الشهيدة مذبحاً
فيه الدماء جرت من الأوداج
والمسلمون جميعهم في شاغل
من سفسفات أو عقيم لجاج
رحماك ربي، إن أرضك قد خلت
فابعث لنا يارب بالإفراج
عبدالوهاب قتاية
