نحن مع نفحات من الفاروق عمر بن الخطاب، هذه إشارة لمن لم يتابع معنا في الحلقة الماضية، ونرجو له متابعة طيبة في هذه الحلقة مع رجل من رجال الله، أعز الله به الإسلام ببركة دعوة حبيب الله المصطفى صلى الله عليه وسلم أن يعز الله الدين بأحد العمرين عمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام فاختار الله للإسلام بعلمه أصلحهما فكان ابن الخطاب، وإذا قلنا صاحب الموافقات فقد ثبت عنه ما كان يقول في أمر قولاً إلا وجاء التنزيل موافقاً له رضي الله عنه وأرضاه ومعه نتواصل.
نحن اليوم معه في خاتمة مسيرته الطيبة المباركة فعلى الرغم من كل الذي ذكر عن عمر من أخبار عدله وورعه وشخصيته القيادية الفذة، فقد اختتمت حياته بست طعنات من خنجر مسموم سددها إلى كتفه وخاصرته عدو الله والإسلام والمسلمين أبو لؤلؤة المجوسي، ومتى كان ذلك؟ كان بعد أن وقف يؤمن الناس في الصلاة وبعد أن سوى الصفوف وكبر تكبيرة الإحرام لصلاة الفجر من يوم الأحد الثالث والعشرين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين للهجرة ــ أي قبل نهاية تلك السنة ببضعة أيام بقين منها. اندس ذلك المجرم بين الناس في الصف الأول وخلف الإمام مباشرة ولم يفطن له أحد من المصلين لأن الجميع كانوا في اطمئنان إلى أن يداً آثمة لا يمكن أن تمتد فتغتال عمر، لكن أعداء الإسلام ومنذ فجره ظلوا يوقتون ضرباتهم في اللحظات التي يطمئن فيها الناس إلى أن الأمن مستتب تماماً فيضربون ضربتهم.
وهذا ما يحدث معنا في أيامنا هذه ويحدث غداً وبعد غد ما دام هناك تربص وكيد للإسلام والمسلمين. وقد يقول قائل: ست طعنات ولم يفطن الذين بجوار هذا المجرم إلى فعلته، ونقول لهم إن مخططي الإجرام دائماً ينتدبون لمثل هذه المهمات أصحاب الخبرات في سرعة الانقضاض والتسديد أياً كان نوع السلاح.
وتعالوا نمضي مع الفاروق الثابت القوي بدينه طلب وهو ينزف دماً من عبد الرحمن بن عوف أن يتقدم فيصلي بالناس ففعل وصلى بهم صلاة خفيفة ليدركوا عمر ويحملوه إلى داره. ما هذا يا أبا حفص؟! لم تشأ أن يترك الناس صلاتهم حتى ولو حدث جلل مثل هذا وبعضنا اليوم يفوت الصلاة التي على المؤمنين كتاب موقوت.. أي لوقتها، لمباراة في كرة القدم أو مهرجان خطابي وما إلى ذلك، ودعونا من ذلك وتصوروا أن حدثاً مثل هذا يحدث في أحد المساجد، إذن لانفض الناس من حول المصاب نجاة بأنفسهم، من أن يصيبهم مثل ما أصاب المجني عليه، إلا من رحم ربي وقليل ما هم.
حمل عمر إلى داره، أما العلج الآثم القاتل فقد راح يعدو بين الصفوف ويطعن يمنة ويسرة، وعندما وجد أن لا سبيل إلى المهرب وأنه ممسوك لا محالة انتحر بذات الخنجر الذي اغتال به عمر. ولا تعجبوا من أن أول سؤال سأله عمر عندما استقر في داره من قالته؟ فلما علم أنه مجوسي أعلمه بذلك عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: »الحمد لله الذي لم يجعل قاتلي يحاجني عند الله بسجدة سجدها له قط.
وما كانت العرب لتقتلني يا لعمر!! حتى من قالته كان يخشى أن يكون مسلماً يحاجه عند الله، ففرح عندما علم أنه مجوسي لأن المجوسية لم تكن من ممارسات العرب في جاهليتهم فقد كانوا عبدة الأصنام وكان فيهم من يسمون الأحناف وكان فيهم من تهود، أما أن يعبدوا النار فلم يكن ذلك فيهم. ثم ماذا بعد يا أبا حفص؟
تقول كتب التاريخ والسيرة إنه طلب من ابن عباس أن يخرج فينادي في الناس فيستفهم من الجموع الحاشدة هل هذا الذي حدث عن ملأ ومشورة منكم، بمعنى هل هذا القاتل مدفوع بتحريض منكم كأن أغريتموه بمال أو نحو ذلك؟
وعمر الذي على شقة كما قال إن العرب ما كانت لتقتله على يقين أن أحداً من تلك الجموع لم يكن ليدس إليه مجوسياً ليقتله ولكن السؤال كان على سبيل اطمئنان القلب كما فعل إبراهيم عليه السلام حين سأل ربه: ».. رب أرني كيف تحيي الموتى، قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي« (سورة البقرة الآية 260). وسؤال عمر هذا يدل دلالة واضحة أنه كان على يقين من أن المجوسي أبا لؤلؤة لم يفعل فعلته تلك من تلقاء نفسه.
وإنما كانت وراءه مجموعة متآمرة ومحرضة فهل يكون هذا التحريض مبعثه الجبهة الداخلية بسخط منها، أم هو دس وكيد خارجي؟ وهل من أحد يشك في أن الجبهة الداخلية ــ مجتمع المسلمين البدريين منهم من مهاجرين وأنصار وجند الله الذين تربوا على تعاليم رسولهم الكريم، يفعل أحد منهم ذلك؟ أليس هذا عمر الذي عاش بينهم آمناً مطمئناً؟
أليس هو الذي وجده رسول كسرى نائماً تحت ظل شجرة فتعجب من ذلك وقال: »عدلت فأمنت فنمت«. لم ينف القوم التهمة عن أنفسهم فحسب عندما سألهم ابن عباس ولكنهم قالوا قولة صدق لا مجاملة أو رياء: وددنا أن الله زاد في عمره من أعمارنا. يا الله!
إن القوم يتمنون أن يفدوك بأرواحهم يا عمر، فهل يفكر قوم هذا شأنهم أن يحرضوا عليك مجوسياً ليقتلك؟ أي مأفون يصدقك ذلك؟ إنها المؤامرات الخارجية التي ظلت تلاحقنا نحن المسلمين وإسلامنا منذ فجر الإسلام، وأيدي الظلام تلك التي كانت تستهدف الرؤوس عمر وعثمان وعلي في ذلك الزمان، ما عاد هذا أسلوبها في عصرنا هذا وإنما غيرته لأسباب نحن في غنى عن شرحها لأننا نعرفها.
محمد الطيب عربي
