رجل جعل من الإنشاد والابتهال والتجويد مجالاً حياً للدعوة الإسلامية بعد أن كان الناس لا يعرفون حتى معنى كلمة تجـويد أو إنشاد أو ابتهال بفضل أسلوبه السهل الجميل وحلاوة كلامه وعذوبة ألفاظه وخفة ظله وأناقتـه المعهودة وصوته العذب الجميل، وأصبحت حلقاته وشرائطه ملتـقى لكل مسلم يريد أن يتعلم فنون التجويد والإنشاد والابتهال، بما يلقيه من دروس عن قواعد القراءة وأصول مخارج الحروف، وقواعد التلحين.
وربما يكون برنامجه التلفزيوني الشهير »بلغو عني ولو آية« أحد أهم مرجعيات القراء والمنشدين والمبتهلين الشباب. هو الشيخ الجليل أحمد عامر أحد أهم المشاركين في اعداد قراء ومبتهلي أرض الكنانة بما لديه من علم وفير يساهم في اعداد كل خدمة كتاب الله ومداحي الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، تلك العلوم التي يعكف على تسجيلها على أشرطة كاسيت لكي تكون في متناول يد كل من يسعى وراء الاستزادة في هذه المجالات، حتى تجاوز عدد هذه الأشرطة 52 شريطا. ولد الشيخ أحمد محمد علي عامر - الأمين العام المساعـد لنقابة مجودي ومحفظي وقراء القرآن الكريم بالقاهرة - يوم الثلاثاء 28 يناير عام 1936م الموافق 4 ذو القعدة 1354هـ في حارة برجوان بحي الجمالية على مقربة من ميدان الإمام الحسين ـ رضي الله عنه ـ حيث المآذن المتألقة فيخيل للناظر أن مآذن الجامع الأزهر تعانق وتصافح مئذنتي المسجد الحسيني.
فيختلط الأذان بالأذان كل يوم خمس مرات, وبعـد فترة قصيرة لا تزيد على العشر دقائق بعد ارتفاع صوت الحق مناديا في الناس بالإقبال على الصلاة, تنطلق حناجر المؤذنين مرة ثانية, معلنة إقامة الصلاة, ليقف الخلق بين يدي الخالق جلت قدرته. حظ عظيم وإذا كان المولود يؤذّن في أذنه مرةَ, فإن هذا الوليد انفرد بحظ عظيم وهو تلقينه الأذان منذ ولادته كل يوم خمس مرات, من أعظم وأجل وأشرف الأماكن بمصر. وكأن النوافذ كلها كانت مفتحة ليسمع هذا الطفل أول ما يسمع »الله أكبر.. الله أكبر.. أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله«، هكذا كانت نشأته دينية بين أحضان الأزهر والحسين، وكانت طفولته تحمل معاني كثيرة تظهر من خلال تصرفاته الحكيمة, التي تسبق سنه. ولما بلغ أحمد عامر أشده تعلم المشي.
ولكنه ليس كمشي الأطفال الذين هم في مثل سنه, ولكنه كان سيراً إلى رحاب الأزهر والحسين, وبدلاً من تعليمه المشي داخل المنزل وكيف يتخطى أعتاب البيت, تعلم كيف يتخطى أعتاب الأزهر والمسجد الحسيني, فسارت به قدماه إلى حيث شاء الله لا إلى ما شاء العباد.وإذا كانت التربة الطيبة لا تنبت إلا طيبا فإن الأرض التي نبت فيها هذا الطفل الموهوب أحمد محمد علي عامر سقيت برشح مسك نتج عن بضعة جسد الإمام الحسين الطاهر الشريف, فاختلط هذا المسك بكل ما هو طيب في هذه البقعة العريقة من قلب مدينة القاهرة، والتي أصبحت مهبط العلماء, ومقصد الطلاب, وروضة المحبين, ومنهل الراغبين, ومحراب الذاكرين.
وجد الطفل البريء أحمد محمد عامر نفسه تسبح وقلبه يهفو وروحه تحلق في جو يأخذه أحياناً إلى عالم فوق إدراك طفل يناديه القرآن, ويضمه إليه بكل حنان، فعاش طفولة تختلف اختلافاً كليا عن طفولة أقرانه, لم يعرف اللهو إليه مدخلاً ولا اللعب إليه سبيلا، جاءته الرجولة المبكرة تمشي على استحياء، وكأنها تستأذن القرآن الذي يحضنه ويضمه إليه ضما بأن ترعى هذا الوليد الذي يبزغ نجمه بعد سن الخمسين.
ولذلك فإنه يعد بجليل القيم وعظيم المبادئ منذ الصغر؛ ليكون مؤهلاً ليس لحفظ القرآن فحسب، وإنما لأن يكون كشجرة أصلها ثابت وفروعها في العنان , ليصبح في يوم من الأيام جامعة بشرية يتخرج فيها آلاف من الحافـظين لكتاب الله ومئات من المحفظين والملقنين كلام الله لعباده غير المغضوب عليهم ممن قال فيهم الحبيب المصطفى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خيركم من تعلم القرآن وعلمه.
طاعة أولي الأمر!
هكذا نشأ الطفل الصغير أحمد محمد علي عامر على الطاعة منذ الصغر طاعة الله وطاعة رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) وطاعة الوالدين فأحبه الله، كان والده الحاج محمد علي عامر يعمل بالتجارة التي لم تكن مربحة آنذاك لدرجة تجعله من الأثرياء.
ولكنها كانت تجارة من أجل العيش والإنفاق على الأسرة متوسطة الدخل، وكان الحاج محمد ينظر إلى ابنه أحمد نظرة تحمل معاني كثيرة تترجم عن رغبته في أن يكون هذا الابن هو السند الذي سيساعده على تحمل المسؤولية والسعي معه في مجال التجارة ومشاركته في تحمل المسؤولية.
إلا أنه لما بلغ معه السعي وأصبح في زهرة العمر ألحقه بالمدرسة الابتدائية ليتعلم القراءة والكتابة والحساب، ليتمكن من إدارة العملية التجارية معه، كان الطفل مطيعاً كما ذكرنا سالفاً ولذلك لم يقل لأبيه لا ولا لما فكرت في هذا، ولكنه كان يقول دائماً لأبيه نعم.
بعد المرحلة الابتدائية ترك التعليم واشتغل بالتجارة بناءً على رغبة والده, فكان خير فتى يتسم بالصدق والأمانة والسماحة ورقة المشاعر, وكأن الزمن تولاه برعايته ليعده إعدادا طيبا كريما لأن يكون نهرا قرآنيا يتدفق منه القرآن ليخط في الأرض قنوات قرآنية تروي ملايين الظمأى برحيق مختوم ختامه مسك.
لم ينشغل الغلام الحليم أحمد عامر بالتجارة الدنيوية الفانية فقط، ولكنه كان يعلم أن هناك تجارة لن تبور وهي التجارة مع الله لم ينس ذكر الله، ولم يغفل عن مستقبله الأخروي، لأنه يخاف يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار, ولأنه مجهز ومؤهل لهذا عرف الحقيقة والفلسفة العميقة من مقصود قولهم:
»ساعة لقلبك وساعة لربك«، نفذ هذه المقولة تنفيذا صحيحا سليما فكان يجعل من وقته الذي سيسأل عنه يوم القيامة ساعات لربه بالطاعة في كل شيء حتى في العمل الذي يقتات من ورائه وكل اساليب الحياة التي أمرنا بها, وساعات لقلبه ليس بالترفيه واللهو وإرضاء هوى النف.
وإنما بالقرآن والذكر لأن راحة القلوب والترويح عنها يكون بالقرآن وتلاوته والذكر ومداومته ونسيان كل زائل والتفكر في كل ما هو باق لا يزول فالقلب لا يحلق ولا يطير في عالم كله نعيم مقيم إلا بالقرآن والذكر الحكيم. بعد أن بلغ أربعين عاماً ظهرت الرؤيا واكتمل القمر ليضيء الطريق الذي قلنا إنه كان يمهد بإتقان لهذا الرجل منذ الطفولة لحكمة يعلمها الله كما ذكرنا, لم ينشغل أحمد محمد علي عامر بالتجارة .
ولا بالمصالح الدنيوية كلية، ولكنه عزم عزماً أكيداً على أن يحفظ القرآن الكريم وهو في العقد الخامس من العمر، وهنا يتضح لنا أنه ليس هناك شيء اسمه المستحيل، وتردد على مجالس العلماء وتقرب منهم لينهل من علمهم ويحفظ القرآن بإتقان، واستقر به المطاف إلى مقرأة الجامع الأزهر الشريف، التي كانت تضم العشرات من المتمكنين من القرآن، وفي مقدمتهم المرحوم الشيخ أحمد بركات.
عضو المقرأة هكذا، أصبح عامر عضواً دائماً بالمقرأة وبالإصرار والعزم تلقى القرآن وحفظه في مدة لا تزيد على الخمس سنوات حتى وصل إلى درجة عالية من الحفظ أهلته، لأن يكون شيخ المقرأة بالجامع الأزهر الشريف أثناء غياب الشيخ بركات وذلك برغبة من أعضائها، وذات يوم شاهد الشيخ محمد محمود الطبلاوي وسمعه بالجامع الأزهر الشريف.
وهو يقرأ القرآن على أعضاء المقرأة ويلقنهم القرآن بطريقة تحبب وترغب الصغير والكبير في الإقبال على حفظ القرآن، فأعجب الشيخ الطبلاوي بطريقته، وانبهر بشدة إتقانه لأحكام تلاوة القرآن فحدث عنه الشيخ أبوالعينين شعيشع - نقيب قراء مصر - وأثنى عليه بما هو أهل له فلم يتردد الشيخ أبوالعينين شعيشع في دعوة هذا الرجل النابغة.
واختير عضواً بمجلس نقابة محفظي وقراء القرآن الكريم بجمهورية مصر العربية, والتي يرأس مجلس إدارتها الشيخ أبوالعينين شعيشع. علاوة على أن الشيخ عامر يخدم القرآن وأهله بتدريس التجويد وأصوله، ويقوم أيضا بتدريس أحكامه وبتعليمه عن طريق مقرأة هو شيخها كل يوم جمعة، وذلك قبل أذان الظهر بساعة كاملة حيث يجلس أمام الميكروفون بمسجد الرحمن، الذي بناه مما أفاء الله به عليه وأسسه على هيئة الحرم النبوي الشريف.
وهو مسجد يعتبر مفخرة لكل مسلم من حيث الدقة في التصميم والخدمة الجليلة في تعليم القرآن، بالإضافة إلى عدة مقارئ في الأسبوع الواحد أشهرها يومي الجمعة والثلاثاء، الذي يكون شيخ المقرأة فيه فيه فضيلة الشيخ رزق حبه، وأما مقرأة السبت فهي للسيدات بين المغرب والعشاء.
ففي يوم الجمعة، تجد المئات يتوافدون منذ العاشرة صباحاً ليجلسوا بالمقرأة أمام الحاج أحمد عامر ليشرح لهم كيف يكون النطق الصحيح لأحرف وكلمات اللغة العربية لغة القرآن، وكيف يكون التجويد بطريقته السهلة اليسيرة الفريدة، فيتناول كل حرف وما يليه والعلاقة بين المتجاورين من الحروف وسبب تعدي الحرف على جاره من خلال النطق غير السليم.
وما هو نصيب كل حرف من المساحة الصوتية والمكان الذي يخرج منه الحرف, ثم ينتقل من الحروف إلى الكلمات ومدى العلاقة الوثيقة بين الكلمتين المتجاورتين، اللتين لا يجرؤ أحد أن يفصل بينهما أبداً لما بينهما من علاقة جوار عن طريق الحروف والأحكام وعلامات ضبط الحروف، وكيف يستلم الكلمة من أختها والجارة بجارتها دون خلل وكيف تتصل كلمة بأختها دون إظهار للالتحام بينهما، بمنتهي الدقة يعلم كل راغبي الإنشاد والتلاوة والابتهال كل قواعد الألحان والأصوات.
رأي متفرد
يقول أحمد عامر: القرآن عبارة عن 28 حرفاً هي الحروف الأبجدية، إذا نطقت كل حرف من مكانه وأعطيته حقه ومساحته، التي حددها علماء الصوتيات وفقهاء اللغة دون تعد من حرف على حرف أو إعطاء جزء من حق حرف لجاره, فاعلم أنك ستجد سهولة ويسراً في حفظك للقرآن، لأنك في الكلام العادي تنطق الكلمات والأسماء نطقاً صحيحاً، ولكن لأن القرآن يرتبط كلامه ببعضه وحروفه ببعضها قد تخطئ وتفخم حرفاً مرققاً إذا جاور حرفا مفخماً فمثلاً إذا نطقت كلمة »أفتطمعون« البعض ينطقها بتفخيم الهمزة والفاء والتاء والميم، فتكون قد أخطأت في كلمة واحدة أربعة أخطاء وأنت لا تدري.
ويواصل الشيخ عامر مشواره مع دروس الألحان والأصوات، قائلا: تعتقد بهذا الخطأ أنك نطقتها نطقاً صحيحاً، لأنك عندما فخمت الهمزة وهي مرققة أدخلت نفسك في دائرة التفخيم فصعب عليك استخلاص المرقق من المفخم لأنك لم تتعلم كيفية استخدام الحروف والصواب أن ترقق الهمزة والفاء والتاء والميم.
وتستخرج نطق الطاء من بين كل هذه الحروف المرققة، كأنك تمتلك قطعة من الصوف داخل كتلة من الحرير ويجب أن تستخرج الصوف من الحرير دون جرح الحرير أو الجور والتعدي عليه لفصل الحرير عن الصوف، هكذا يجب أن تفعل هذا مع المرقق والمفخم من حروف القرآن الكريم.


