(محمد جليل رسولي) خطاط إيراني من مواليد مدينة همدان عام 1947، أنهى دراسته في همدان وطهران.. ظهرت موهبته في الخط العربي مبكراً ما دفعه إلى التوجه لدراسة أصول وقواعد وطرز هذا الخط وإتقانها..

امتدت مرحلة الدراسة والإطلاع حتى العام 1966 حيث انتقل للعمل في أحد مراكز الخط العربي العريقة.. في العام 1968 تعرف على الأستاذ الشهير (سيد حسن ميرخاني) وتتلمذ على يديه حتى العام 1972، وعنه أخذ أسس الخط وقواعده لكنه لم يقلده في الأنماط التي يشتغل عليها ولا غيّر فيها وإنما بحث عن اتجاه فني خاص به مزج فيه بين التراث الحداثة ما أضفى على أعماله جمالاً خاصاً.

أقام رسولي أول معرض لأعماله عام 1973 في طهران، ثم توالت معارضه الفردية بشكل دوري لتشمل أكبر صالات العرض في طهران، وفي العام 1990 أقام معرضه الفردي السابع عشر في متحف الفنون المعاصرة بالعاصمة الإيرانية.

في العام 1988 منحه أستاذ الخط الكبير (حسن ميرخاني) لقب (الأستاذ) في الخط بعد أن أتم تعاليمه وأثبت موهبته وقدراته. عرضت لوحات الخطاط رسولي في العديد من المعارض العالمية بينها معرض الفنون الإسلامية في لندن عام 1976، ومعرض الفن الإيراني في مدينة دسلدورف بألمانيا. أما معارضه الفرديّة الخارجية فشملت عدة دول منها باكستان، سوريا، الفاتيكان، لبنان.

إلى جانب مئات اللوحات التي أنجزها الفنان الخطاط محمد جليل رسولي، في مجال الخط العربي قام بكتابة مجموعة من الكتب منها (ملحمة الشهنامة) للفردوسي وكتاب (نهج البلاغة) للإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه باللغة الفارسية، وديوان شعر للإمام الخميني. صدرت عدة كتب ضمنت منتخبات من أعماله المتميزة وهو من الفنانين البارعين في خط الثلث والخط المكسر والشكستة.

يرى الخطاط السوري (معصوم محمد خلف) أن الخطاط الفنان محمد جليل رسولي يذهب إلى الارتواء العام في الدخول إلى قوالب البنية التشكيلية للحرف، يتسم بالعبقرية والوقار.

فيمزج الحروف في تراصف مذهل من خلال العشق المتبادل ما بين القصبة الناعمة والحبر المتأصل في قواعد تلك الأبجدية المختزنة بالعبقرية والإبداع، عبر جذورها الممتدة مع نشأة الإنسان، فيجعل من اللوحة نسيجاً متكاملاً تهفو نحو إيحاءات ومدلولات تنعتق معها النفس بكل طواعية ومحبة، كذلك يسعى إلى إعطاء بعض الحروف مدلولات غاية في البساطة والخفة مما يمكنه في خلق رؤى جديدة تضاف إلى مسيرة الخط العربي الرائدة.

ويرى الخطاط معصوم محمد خلف أن الروحانية والشاعرية ميزتان أساسيتان عند الخطاط جليل رسولي، فهو يعشق الخط ويتسامى معه إلى أقصى درجات الحب فنجد الحروف لديه متعانقة متراقصة تبوح بعوالم شفافة في غاية الروعة والدقة والجمال.

كما يجعل من الحروف بنية تشكيلية إبداعية تتشارك وتتراصف عبر القابلية المرنة التي تتصف بها تلك الخطوط، لتعطي لوحة تتآلف تشابكاً وتآلفاً، وتنعش النفس البشرية بذائقتها الحميميّة ويطرب لها الخيال لأنها تمثل خصوصية الشرق وجمالياته ولها ارتباط وثيق بمجموعة من الفنون الأخرى كحياكة السجاد، والفن المعماري الإسلامي، والتذهيب، وغالباً ما كانت هذه الفنون تستوحي من بعضها البعض، إلا أن الخط هو الشيء المشترك الذي لم يغب أبداً عن عموم هذه الفنون.

ويرى الخطاط معصوم محمد خلف أن ما يميز أعمال جليل رسولي ليس فقط الشكل، وإنما أيضاً المضمون الذي يمتاز بحسن الاختيار، فهو في الحقيقة فنان حكيم يدرك كيف يوظف الحروف في ساحة العمل الفني، من الجمال النقي نحو العبقرية والحبكة الموزونة والخيال الخصب. فهو بعد أن يتبرك باسم الجلالة، ويبدأ بالحمد، ويتوج أعماله بـ (الله أكبر) نجده أيضاً يسوح في أشعار حافظ وسعدي والرومي وكبار الشعراء الذين لهم الدور الكبير في إيجاد الحس الديني والأخلاقي في المجتمع الإيراني المسلم.

من أعمال محمد جليل رسولي الهامة لوحات الفصول الأربعة التي نفذها بألوان تشير إلى خصوصية كل فصل وفيها قام هذا الفنان بتحطيم صمت الحروف والكلمات وحركها حتى النقاط في هذه الأعمال تحررت من أحضان الكلمات كأنها لا تطيق الإطار الذي حُبست فيه، وقد عبّرت ألوان اللوحات وأسلوب تشكيلها عن مشاعر الفنان وأحاسيسه تجاه الفصول الأربعة، مصعدة بموهبته وخبرته في التعامل مع هذا الفن العريق والأصيل.

د. محمود شاهين