افتتح في قاعة «الغاف» للفن التشكيلي في أبو ظبي مساء الأربعاء الماضي؛ معرض «تحولات في الخط العربي» للفنانين: محمد مندي، طه الهيتي، جلال لقمان، ومحمد كانو، وتضمن المعرض الذي افتتحه رجل الأعمال الدكتور عبد اللطيف كانو؛ مجموعة متنوعة من الأعمال الخطية تناغمت ومناخات رمضان الذي امتزج مع ردهات المكان وشفافية الحروف ليصنع مزيجاً من الرهبة والسكينة في آن معاً.
اقترن اسم الخطاط والفنان التشكيلي الإماراتي محمد مندي بالعديد من مفردات الريادة التي أهّلته ليكون في القمة في ميدان الخط العربي في الإمارات، وكان أول إماراتي يحوز المرتبة الأولى في مدرسة الخط المصرية في سبعينات القرن الماضي، وتحسب له ريادته في فكرة الرسم بالكلمات، ومن يتجول في الإمارات بكل مدنها يرى فن محمد مندي وخطوطه تغطي الأبنية الرسمية والخاصة بحروف وحركات عربية أصيلة ورشيقة. كما أن مندي هو الإماراتي الأول الذي ينال جائزة كبرى هي المرتبة الأولى في الخط الكوفي على مستوى العالم في مسابقة «حمد الله الأتاسي»، وفي مجال الحروفية الفنية اختط مندي لنفسه طريقة خاصة لا تشابه أساليب أبناء هذه المدرسة التي تزاوج بين الحرف واللون والشكل.
قدم محمد مندي في هذا المعرض الجماعي عدة لوحات تمثل أساليب مختلفة من مدارس الخط، فتنوعت الخطوط ما بين النسخ والثلث والديواني، حيث اشتغل الفنان على الحروف بوحي من الطبيعة، فكأن «الكاف» غاب في كينونة «النون» وامتشق «الألف» الرفعة والسمو ليبحر في سحر الكلام الإلهي المقدس. فجاءت الآيات الكريمة والكلمات العربية التي اختارها مندي لتعبر عن الحروف باعتبارها كائنات تنطق بالحياة وليست مجرد أحبار تسيطر بجمود على مساحة من اللوحة، أما في لوحاته الحروفية فقد وهب الفنان لهذه المدرسة شكلاً من أشكال التمايز القائم على احترام الحرف والوقوف في حضرة جلالته مع إضفاء لمسات الجمال اللوني والشكلاني له دون إسفاف.
أما الفنان الإماراتي الثاني الذي يشارك في هذا العرض الروحاني الرائع؛ فهو جلال لقمان صاحب اللمسات الجميلة في مضمار الغرافيك، والمتابع لفن «لقمان» منذ خطواته الجريئة في تسخير الكمبيوتر وبرامجه الحديثة في إبداع أعمال فنية ذات طابع خاص.
وقد واجه هذا الفنان الإماراتي منذ انطلاقه قبل عدة سنوات؛ عدة إشكاليات جعلته يدافع بقوة عن أسلوبه الفني، ومن تلك العقبات والإشكاليات: عدم تمييز أهل الفن أنفسهم ما بين المبدع الذي يسخر الأداة والمنفذ الجامد، حيث اعتبر هؤلاء أن أعمال جلال لقمان إنما هي من تنفيذ الكمبيوتر ليس إلا، لعدم معرفتهم وتمييزهم إلى يومنا هذا بين المبدع والمنفذ.
وقد أثبت جلال لقمان طيلة مسيرته الفنية وأعماله المعروضة في داخل وخارج الدولة، أنه فنان مبدع يمتلك النفس والحس الفني من الطراز الأول، حيث تتماهى في هذا المعرض مجموعة من اللوحات التي تمزج بين التنفيذ النقي والمحترف وبين الإبداع في الفكرة والتجديد في استخدام الظل والانعكاس واللون وموقع الكلمات المخطوطة على سطح الشكل الجمالي.
يذكر أن شركة «بذ» العالمية للطباعة والتصوير الرقمي؛ كانت قد اختارت الفنان جلال لقمان في معرض «جيتكس» الذي أقيم مؤخراً في دبي ليبدع لوحاته وأعماله الفنية من خلال أجهزة الشركة الحديثة، حيث أطلق العنان لمخيلته وأبدع في الارتقاء بالشكل واللون والخطوط وأخرجها من مضمارها الجامد إلى مضمار حديث سيثبت وجوده عاجلاً أم آجلاً.
أما «سفير الخط» الخطاط العراقي طه الهيتي؛ فجاءت مشاركته في المعرض بنفس النهج والأسلوب الرزين الذي انتهجه طوال دربه في دنيا الخط العربي، والخطاط الهيتي في مجال هذا الفن البديع هو أحد أعمدة المدرسة البغدادية التي شارفت على الأفول بعد رزايا أرض الرافدين، إلا أن أنامل الهيتي والبقية الباقية من خطاطي العراق يأبون أن تأفل شمس الخط عن أرضهم.
وهي التي أنجبت عمالقة الخط العربي منذ العصر العباسي وإلى أيام هاشم الخطاط وعباس البغدادي وريث عرش الخط العربي دون منازع، وقد تتلمذ الهيتي على يد عباس البغدادي وأطلق عليه هذا الأخير لقب «سفير الخط» كنوع من الإعجاب بطريقته ونهجه الجميل في التمسك بحذافير وأسرار مدرسة الخط العربي البغدادية.
وقدم الهيتي في هذا المعرض مجموعة من اللوحات التي أعطت أبرزت الجانب الروحاني للكلمة والحرف العربي من خلال الآيات القرآنية التي قدمها بخطوط الثلث والنسخ والديواني، كما ضم المعرض لوحات أخرى للهيتي تحوي أشعار العرب القديمة وبعض عبارات الحكمة التي أعطت الحرف مزيداً من التوهج.
الركن الرابع في رباعية الفن التي التقى إبداعها في هذا المعرض؛ هو الفنان الجميل محمد كانو، الذي بدأ الفن كهواية منذ عام 1989م برسم لوحات شخصية وبعض اللوحات التي كان يعرضها على الأصدقاء والمقربين منه دون الدخول في مضمار الاحتراف الفني، لأنه يرى في الفن مجالاً ينبض بالحياة يستطيع من خلاله التنفس بحرية في ظل اللون والفكرة.
وكان الفنان قد عرض قبل فترة مجموعة من لوحاته الفنية التي أنجزها من خلال المدرسة التجريدية وكان عنوان المعرض «رموز» كما أقام عدة معارض مشتركة داخل وخارج الإمارات، عن عشقه لمدرسة التجريد التشكيلية؛ يقول محمد كانو: اعتبر التجريد أقوى الأساليب للوصول إلى أعذب المعاني.
كما أني أجد جمال عميق من تبسيط الكلمة، فهذا يبعد أي مشاعر تردد من المشاهد ليجعله مع الفن واحد. وقد استخدم كانو في هذا المعرض مجموعة من الأقوال النبوية الشريفة في إبداع لوحاته التي لم تخرج من نهجه الفني في التجريد رغم حرفيتها العالية في رسم الخط، كما ساعدت «كانو» في مجال الخط العربي تذوقه وحسه العالي للون والتشكيل في إنجاز لوحات غاية في التألق.
أبوظبي ـ محمد الأنصاري



