«رمضان ع البال»... إطلالة نعود بها من وقت إلى آخر مع أعمال تلفزيونية كانت تؤنس الناس في الأمسيات الرمضانية، وشكلت مساراً إبداعياً في الأعمال الدرامية والتي بفضلها تحتل دبي اليوم مكانة متقدمة في مسارها الراهن لتكون عاصمة للإنتاج الدرامي العربي عموماً والخليجي خصوصاً.

جمال آدم

تقف أمينة رزق على مقربة من ابنها الملك عبد الله الصغير، تشاهده وهو يبكي ملكه الذي أضاع معه حضور العرب في أجمل ممالك المسلمين في الأندلس، ينظر الابن في عيني أمه ويقول لها: «ضاع ملكي يا أماه»، فتشيح الأم نظرها عنه وتقول له: «ابك كالأطفال على ملك لم تحافظ عليه كالرجال».

جملة تردد صداها على مدار أكثر من ربع قرن في واحدة من أجمل ما قدمته الدراما العربية التاريخية للشاشة الصغيرة، حيث اجتمع نجوم كبار كأمينة رزق وعبد الله غيث وتوفيق الدقن وأحمد خليل ليقدموا شخصيات الكاتب محفوظ عبد الرحمن في عمل قدمه على مائدة من ذهب للدراما التلفزيونية.

وهكذا، لا يمر الحديث عن غرناطة آخر معاقل المسلمين في الأندلس من دون أن تستعين الذاكرة بالعمل الكبير الذي قدمه الكاتب المصري القدير محفوظ عبد الرحمن (ليلة سقوط غرناطة)، الذي كتب أول مسلسل تاريخي عن (سليمان الحلبي) عام 1975م، ثم تلاه في العام التالي مسلسل عن (عنترة)، ثم بدأ يكتب مسلسلا كل سنة أو سنتين وأحيانا كل ثلاث سنوات.

فكتب عام 1981م (ليلة سقوط غرناطة) ويتناول في هذا المسلسل الليلة الأخيرة في حياة غرناطة قبل سقوطها وتسليمها إلى الأسبان، ثم كتب مسلسل (لحم يحترق) ويصف فيه مواجهة العالم العربي للحلف الفرنجي المغولي، ثم كتب مسلسلاته الشهيرة (بوابة الحلواني) في عشرين حلقة، ومسلسل (أم كلثوم) في سبعة وعشرين حلقة، ولم يكتف بهذا الكم والكيف الرائع من النتاج الأدبي المتميز بل كتب أيضا سيناريوهات لعدد من الأفلام مثل (القادسية) و(ناصر 56).

ولعل ما يميز مسلسل «ليلة سقوط غرناطة» أن مجمل أحداث هذا العمل تتطرق لآخر ليلة من ليالي هذه المملكة الجميلة التي كانت في وقت من الأوقات محجة العرب والأوروبيين إلى الأندلس، وربما تزامنا مع واقع سياسي رديء في تفاصيله اليومية آنذاك، داعب عبد الرحمن الحكام العرب في تناحرهم وتدميرهم لبعضهم البعض بما جرى من وقائع مأساوية في ليلة سقوط غرناطة التي شهدت سقوط الحضارة الإسلامية في بلاد فتحها العرب المسلمون وبنوا فيها حضارة كبيرة، ونتيجة التناحر الذي جرى بين حكام الممالك الاندلسية ضعف بنيان الدولة وصارت البلاد لقمة سائغة بيد الاسبان الذين احتفوا باستعادة إمبراطوريتهم.

وأهم ما يميز هذا العمل هو المساحة الأدائية الرائعة التي وفرها المخرج الأردني عباس أرناؤوط للممثلين كي يحققوا حضورا لافتا للأداء التمثيلي في دراما تلفزيونية عربية، ويومها على ما أذكر صارت الصحف العربية تحكي عن مبارزات أدائية بين توفيق الدقن وعبد الله غيث كانت تنتصر لكلا الفنانين، ويتميز عبد الله غيث الذي غيبه الموت في قمة عطائه، أنه قدم سلسلة طويلة من الأعمال التاريخية المتميزة التي تحاكي الحقبة التاريخية ذاتها ومنها «موسى بن نصير» و«ثعلب الأندلس».

والمعروف عن محفوظ عبد الرحمن ولعه بالكتابة للمسرح وهذا ما بدا واضحا في صياغته لأحداث العمل لأنه كان يعترف بالنص كأفكار وكسياق وحديث على حساب مفردات المشهد الفنية من توصيف حركات وانتقالات زمانية ومكانية، وهذا ما شكل دافعا للممثلين كي يبرزوا طاقاتهم الأدائية والتمثيلية من خلال نص شحنهم وعزز إيمانهم بما يقدمون.

ذاكرة قوية

في حديث سابق معه يقول محفوظ عبد الرحمن: «أنا لست مقتنعاً تماماً بأنني أبرز كتّاب الدراما. (أم كلثوم) ربما هو أشهر عمل درامي قدمته. لقد كتبت للتلفزيون منذ وقت مبكر جداً في سنة 1965، ولكن التلفزيون فيه جانب استهلاكي كبير، فمهما يكون مستوى العمل التلفزيوني كبيراً، والجهد الذي تبذله عظيماً إلا أنه في النهاية يضيع، لأن التلفزيون ليس له ذاكرة قوية، أو لنقل له ذاكرة هشة. فمنذ بداية 1965 وحتى عام 1975 كانت تلك مرحلة بداية الكتابة للتلفزيون، ثم انتظمت بعد ذلك في الكتابة للتلفزيون حتى الآن».

ويختم عبد الرحمن قائلا: «أول مسلسل تاريخي كان عن (سليمان الحلبي) عام 1975، وكان مسلسلاً مهماً، ثم تلاه في العام التالي مسلسل عن (عنترة). وبعد ذلك كنت أكتب بمعدل مسلسل في كل سنة أو سنتين وأحياناً كل ثلاث سنوات حسب الظروف الإنتاجية. أنا أعتقد أن «ليلة سقوط غرناطة» هو من أهم المسلسلات التي كتبتها عام 1981، ويتناول هذا المسلسل الليلة الأخيرة في غرناطة قبل سقوطها أو قبل تسليمها إلي يد الأسبان».