* «يا أيها الذين آمنوا» ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون»

نادى الله المؤمنين آمراً إياهم بتقواه والخوف من عقابه، وترك الربا، وعلق الإيمان وكماله على ترك ما بقي من الربا، فمن لم يأتمر بأمره تعالى ويترك الربا فليس بمؤمن وإن قالها بلسانه، فإنه لا إيمان بغير طاعة وإذعان لله وتنفيذ ما أمر به. فالآية الكريمة لا تدع أحداً يدعي الإيمان بينما هو لا يطيع ولا يرتضي ما شرع الله، ولا يحكمه في معاملاته، بل ينتقي منه ما شاء كمن قال الله فيهم: «أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزيٌ في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون»، فهؤلاء الذين يفرقون في الدين بين الاعتقاد والمعاملات ليسوا بمؤمنين، مهما ادعوا الإيمان بلسانهم أو حتى بالشعائر التعبدية الظاهرة كالصلاة والصيام والحج ونحوها!

وما أكثر من يتكالبون على جمع المال بشتى الوسائل من دون مبالاة من الحرام كان أم من الحلال وكأنه انطبق علينا قوله صلى الله عليه وسلم الذي رواه البخاري: «ليأتين على الناس زمانٌ لا يبالي المرء بما أخذ المال، أمن حلال أم من حرام»، وهذا مما يتفطر القلب عليه حسرات وكمداً.

إن العزيز الجبار لم يهدد الزناة ولا القتلة بمثل هذا التهديد الذي هدد به من يتعامل بالربا إذ قال لمن يتعاملون بالربا: «فأذنوا بحرب من الله ورسوله» فهي الحرب بكل صورها النفسية والجسدية، وما الناس فيه الآن من قلق واكتئاب وغم وحزن إلا من نتاج هذه الحرب المعلنة لكل من خالف أمر الله وأكل بالربا أو ساعد عليه.

وما أشد هول تلك الحرب من الله ورسوله.. وهي حرب تواجهها النفس البشرية المرابية.. تلك الحرب الرهيبة مقررة العاقبة.. فأين الإنسان الضعيف الفاني من قوة الله الساحقة! ولعل تلك الحرب من الله والرسول (لانتشار الربا في مجتمعاتنا) هي سبب من أسباب ضعف الأمة.

وهي سبب من الأسباب المخفية والمغيّبة ــ بقصد أو بغير قصد في وسائل الإعلام ــ للتأخر الاقتصادي والسياسي والهزيمة في المعارك العسكرية والحضارية، ذلك أن النصر من عند الله فكيف ينصر الله من أعلن عليهم الحرب، وهو القائل: «إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم»، ومما دل على بشاعة جرم الربا قوله صلى الله عليه وسلم:«إن الرجل يصيب درهماً من الربا أعظم عند الله في الخطيئة من ست وثلاثين زنية يزنيها الرجل»،وقال عليه الصلاة والسلام: «الربا ثلاثة وسبعون باباً أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا عِرْض الرجل المسلم».

لقد فتح الله الرحيم باب التوبة من إثم الربا المقيت فقال: «وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم، لا تظلمون ولا تُظلمون».. ذلك الإثم الذي له آثاره المدمرة اقتصادياً وأخلاقياً فضلاً عن تدميره علاقات الأفراد وإفساده ذات بين المسلمين.