المتأمل في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم يجد أنها حوت جميع مكارم الأخلاق التي أجمع عليها فضلاء ونجباء البشر ونبلاؤهم، حتى إنها لتجيب على كل ما يختلج في الفؤاد من أسئلة قد تبدو محيرة لمن لم يذق طعم الإيمان بالله تعالى من الذين كفروا، والغريب في الأمر أن بعضا بني قومنا من المسلمين هداهم الله لا يحفلون بهذه الميزة العظيمة التي ميزنا الله بها.
وهي كون النبي صلى الله عليه وسلم قدوة وأسوة حسنة رغم أنها تمثل الرادع الفعلي عن ارتكاب ما يخل بخلق المسلم، وهي المحرك الأساس إلى الارتقاء بالذات إلى معالي الأمور وقممها السامقات إذ قال صلى الله عليه وسلم: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل».. لأن الطبع يجبل من الطبع، والإنسان ابن بيئته، وهي حقائق لأمراء فيها، إذ من طبيعة الإنسان أن يتأثر بالوسط المحيط به والجماعة التي يتعايش معها.
إن الفرد حين ينخرط في سلك مجموعة من مجموعات البشر يجد نفسه مدفوعاً لالتزام طريقتها، واستحسان ما تستحسنه الجماعة، واستقباح ما تستقبحه، وبذلك يكتسب الفرد ــ ولو لم يشعر ــ أخلاق الجماعة التي ينتسب إليها وينخرط فيها. إن البيئة التي يعيش الإنسان فيها تؤثر فيه ولاشك، فإذا وُضع بخيل بين كرماء مدة طويلة من الزمن خف عنده البخل وتعود على بعض مظاهر الكرم، وإذا وُضع جبان بين شجعان اكتسب منهم قسطاً من الشجاعة، وبذلك تخف عنده نسبة الجبن.
البيئات المنحرفة تؤدى دوراً عظيماً وكبيرًا في اكتساب أفرادها الرذائل ومساوئ الأخلاق، ومما يؤسف له أن تُستغل هذه الوسيلة من قبل المغرضين والمفسدين لإضلال الشباب والفتيات وغوايتهم وتنشئتهم على مفاهيم وقيم مخالفة لتعاليم وقيم الإسلام.
ومن أجل التأثير العظيم للبيئة في نفوس أبنائها وجدنا الإسلام يحث المسلمين على اختيار الصحبة الصالحة، ويحذرهم من صحبة السوء.
لقد أثنى الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم بحسن خلقه فقال: (وإنِّكَ لَعلَى خُلُقٍ عظيم) وأمره سبحانه بمحاسن الأخلاق فقال: (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوةٌ كأنَّه وليُّ حميم).
وقال الله تعالى:(وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً) الكهف28.
وجعل جل وعلا الأخلاق الفاضلة سبباً تُنال به الجنة فقال: (وسارعوا إلى مغفرةٍ من ربكم وجنةٍ عرضُها السماوات والأرض أُعدَّت للمتقين الذين ينفقون في السَّراء والضَّراء والكاظمين الغيظَ والعافينَ عنِ النَّاس واللهُ يُحبُ المحسنين) وبعث رسوله صلى الله عليه وسلم بإتمامها فقال عليه الصلاة والسلام: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق.