أنشأ الشاعر قصيدة تحت هذا العنوان يخاطب بها أولاده وقد كبر الصغار وشب الدارجون، وهم عنده قد كبروا في رأي العين ومازالوا الصغار الذين يحبهم ويخاف عليهم ولا يتوانى عن نصحهم وارشادهم.
وتدرج الشاعر في ديوان (أب) في خطاب أولاده مجموعين ليعطيهم من خبرته في الحياة، ويبين لهم مخاوفه مما قد يقعون فيه، ويدلهم الآن كما نبههم من قبل، فإن طريق الخير ليس سهل المسلك، واختيار الحسن من أمور الحياة معه المشقة، وحمل المسؤولية، وقد يتعب الأب في ايصال هذه المعاني إلى أولاده إلى ان يقبلوها: قال:- ي القلب نيران وفي- ينيّ أُمسك أَلف عَبْره- أبى الأبّوة ذرفهاوببسمتي ألم وحسره- مّن همُ للقلب حَبّتهُ- للعينين قُرّه-ربّيتهم وبذرْت فيهمللمعالي خير بذره- فديتهم بالنفس مماّ- ي الدُّنا يُخشى ويُكره- لهم وهبتُ حُظوظَهاوجعلتهم كلّ المسَرّه-إذن قام الأب بمهمته من التربية، والتوجيه، بعد الاهتمام والمحبة، لكن الأولاد يخرجون أحيانا إلى الشغب في ما بينهم بما يزعج أباهم، ويتذمرون من أمور في الحياة عليهم ان يحتملوها، فالدنيا ليست راحة ولعباً:
يا فتية آذوا أباً
أفنى ببرّ بنيه عُمْرَه
حرموه بالنّزق الشّرودِ
مًنى الحياة المستقره
وتشاحنوا من غير داعِ
واشتكوا من غير عُسرهْ
يتذمّرون، وقائل
وكأنهّ بلغ الَمجَّره
طولاً: سئِمت تشدّداً
أصلحْ أيا رَبّاه أَمَره
تخذوا الحصاة مثالهم
وأردتهم في التاج دُرّه
والأب في حال الحزين أو القريب من الحزن لتشاحن أولاده في ما بينهم، وتذمرهم من نصائحه، والجد الذي يلزمهم به: وصرخ صرخة الأب المحب وان كان غير مستريح لما يصنعون وقال أريدهم أن يكونوا كالدرة واللؤلؤة وهم يقنعون بأن يكونوا كالحصاة (التي لا قيمة لها) وشتان بين الموقفين!
وبعد أن نفس الشاعر عن انفعاله الذي لا يصل إلى الغضب قال لهم بالهدوء الذي يجيء بعد الاهتياج:
أبنيّ لا تتذَمّروا
وتدبروا قصدي وغَوْره
ودعوا التلفّت يمنةً
في درب محياكم ويَسْرَه
وخذوا الصراط المستقيمَ
وبادروا الأهداف عبره
وتمسكوا بحبال ربّكمُ
فثَمّ الأمرُ يَبْرَه
وبسنة الهادي الأمينِ
وإنه في الخلق مِدْره
والحبّ بينكمُ حجاً
وعلى عوادي الدهر نصره
ورد الأب أولاده إلى طريق الخير بادئا ـــ من جديد ـــ بطاعة الله وطاعة رسوله والاهتداء بهدي الدين القويم، ونصحهم بأن يحب بعضهم بعضاً.
ورجع الى علاقة الأب بأولاده، التي لا يجوز أن تنقطع على امتداد الحياة، ولكل عمر أسلوب للتعامل معه، وطلب إليهم أن يقبلوا نصائحه ويعلموا أنه إنما يريد مصلحتهم في الدنيا والآخرة:
أبَنيّ لا تستثقلوا
نصحي، طريق الحق وَعْره
إني لمجتهد لكمْ
وسعي ولسْتُ دَعِي قدْره
سلّمت لله الذي
فطر البريّة خير فِطره
وإليه قد أسلمتكم
ودعوتهُ في كل زَفره
أملي بكم مازال وفراً
والهمومُ لديّ وفره
وستذكرون غداً مقالي
والدمّوعُ تشوبُ ذكره
يقول لأولاده إنه ينصح لهم، ويجتهد في صالحهم، ويؤكد ثقته بهم وأمله فيهم، وانشغاله عليهم.ثم يطلق كلمة كل أب في مثل حاله: ستذكرون نصيحتي لكم لكن حين تغرورق أعينكم بالدموع تذكاراً لي..
أ.د محمد رضوان الداية

