حينما يجري ذكر المثقفين والأدباء الذين تحدوا أسوار العزلة وحواجز الحدود المصطنعة بين بلاد الخليج خاصة، والبلاد العربية والإسلامية عامة، ولم يقبعوا مستسلمين وراء تلك الحدود، وإنما اقتحموها، وجعلوا من أنفسهم جسور تواصل وتفاعل، فإن أول من يُذكر بالتقدير والعرفان، الشاعر والمربي والإعلامي والمناضل العُماني، والأديب العربي بلا حدود: عبدالله الطائي. هذا الرجل ــ بالبيئة والظروف التي نشأ فيهما، وبتكوينه الثقافي وتجاربه العملية التي تجاوز بها الحدود ــ كان استجابة رائعة للتحديات، تجلى فيها أشبه بمؤسسة متكاملة، لا يفتر لها عزم، ولا تهدأ لها حركة أو نشاط.

في عام 1924 كان مولده في مسقط، في أسرة دينية وأدبية عمل بعض شيوخها بالقضاء، وعرف بعض آخر بنظم الشعر، فكان من الطبيعي أن ينشأ الطفل مفعماً بحب المعرفة والإطلاع والميول الدينية والأدبية.كان الوطن العماني ــ الذي عرفه التاريخ القديم مهداً للعلوم الإسلامية واللغة والآداب العربية ــ قد صار هامداً يجثم على صدره ليل مظلم ثقيل من التخلف والقهر والاستبداد، حتى إنه لم يكن في أرجائه كلها ــ حين ولد الطائي ــ مدرسة حديثة واحدة. ولكن في عام 1926 ــ بعد مولده بعامين ــ أنشئت في مسقط أول مدرسة ابتدائية في تاريخها الحديث.

وفي وصف حالها كتب عبدالله الطائي عام 1966: «مدرستنا الابتدائية في مسقط مازالت حتى عام 1966 كما كانت منذ عام 1940: مدرسة ذات ستة صفوف، ليس القصد منها إلا إخراج كتبة بسيطين للدوائر». المهم أن الطفل عبدالله الطائي كان من حظه أن دخل المدرسة السعيدية تلك، وفيها تلقى معارفه الأولى التي شحذت استعداداته، فراح ينهل من كتب التراث الفقهي والأدبي القديم التي تزخر بها عمان، حتى قيل فيها القول الشهير: «باض العلم بمكة، وفرخ بالمدينة، وطار إلى البصرة، ثم نهض إلى عمان». وسرعان ما لاحت على الصبي أمارات النجابة وحب الأدب وموهبة الشعر، كما اشتعل بين جوانحه الشوق والتطلع إلى استكمال تعليمه.

ومرة أخرى كان الفتى عبدالله الطائي على موعد مع القدر، فقد تقرر إرسال أول بعثة تعليمية لاستكمال الدراسة الثانوية في بغداد ثم في البحرين عامي 39، 1940. وكان اسم الطائي بين المحظوظين الأربعة أعضاء البعثة، فكانت تلك هي الخطوة الأولى في رحلة الألف ميل، في مجال التواصل والتفاعل مع الأشقاء خارج الحدود.

في البحرين والعراق، لفت عبدالله الطائي وزملاؤه الأنظار بتفوقهم على أقرانهم هناك، لاتساع معارفهم الدينية والأدبية واللغوية، لكنهم أفادوا كثيراً من معاينة أحوال الأشقاء الذين سبقوا في النهضة، ومن الإطلاع على صحف ومجلات النهضة والتنوير العربية التي كانت ترد من مصر، تحمل زاداً وافراً من ثمار الفكر الحر وأنوار الدعوة إلى الإصلاح والتجديد، مثل مجلة «الأنصار» ومجلة «الشورى» كذلك كشفت تجربة البعثة إلى العراق والبحرين، عن مدى جهل الأشقاء بوطنهم العزيز عمان، وفتحت العيون على ضرورة العمل الجاد الواسع للتعريف بأحوال عمان وثقافتها وأدبائها.

وعاد الطائي وزملاؤه إلى مسقط، وكانت عودتهم حدثاً ومناسبة وطنية أنشد لها الشعراء، وعلى رأسهم أستاذهم الشيخ هلال بن بدر، الذي قال:

يا فتية رفعت مكان بلادها

طابت عناصركم وطاب المولد

يا بعثة عقدت بها آمالنا

مرحى لأمسكم وطاب لكم غد

واشتغل الطائي بالتدريس. لكن روحه كانت تحلق بعيداً وعالياً بلا حدود، تطلعاً وطموحاً إلى دور يراه قدره ورسالته. فشد رحاله، واستطاع السفر إلى باكستان التي أسسها مسلمو الهند بعد تقسيمها سنة 1947. وهناك عمل الطائي بتدريس الفقه واللغة العربية، كما عمل بالقسم العربي بالإذاعة الباكستانية.

وقد استطاع في تلك الفترة أن يتعلم اللغة الأوردية، وأن يترجم إليها بعض الكتب والمخطوطات العربية. كانت قلوب المسلمين في العالم آنذاك مشدودة إلى باكستان، وتعقد آمالاً كباراً على دورها في خدمة الإسلام والمسلمين ونهضتهم، وقد تجلى ذلك في المؤتمر الإسلامي الذي أنعقد في كراتشي سنة 1948. والذي أنشد له عبدالله الطائي وناشده إنقاذ فلسطين مما يحيق بها.

وكان مما قال:

يا مرحبا باليوم فيه تأكدت

للعالمين أخوة الإسلام

القدس دنس واستهين بأهله

وكتاب أحمد ديس بالأقدام

في عام 1951 رست سفينة الأديب بلا حدود عبدالله الطائي على شاطئ البحرين، حيث عمل بالتدريس، وفي مديرية الإعلام، وفي التحرير الصحافي بمجلة «صوت البحرين» وكان له دور مرموق في إثراء الحركة الأدبية، وتأسيس بعض الأندية الثقافية، ورفع صوت الدعوة إلى تحرير الوطن ونهضته ووحدة الأمة في أرجاء الخليج والوطن العربي الكبير.

وعلى مدى تسع سنوات حافلة عاشها في البحرين، ساهم الطائي أجل مساهمة في تربية جيل جديد من أبناء البحرين، صار فيما بعد من أبرز الملامح الواعية المشرقة في البحرين، لكن سلطة الاحتلال الغاشمة التي كانت تجثم على صدر البحرين آنذاك راحت تضيق عليه الخناق، فلم يكن أمام الأديب بلا حدود إلا شد الرحال، فودع «أوال» العرب مرغماً منشداً في ألم:

وداعا وإن كان الوداع تألما

وصبرا وإن كان اصطباري علقما

وداعا بلاد الخير والمجد إنني

نأيت على رغمي وفي كبدي ظما

فمالي وهجر الصحب والأرض قدرة

ولكنه خصم عتا وتحكما

ومذ خاب في تفريقنا مبدأ قضى

بتفريقنا أرضا ليكسب معنما

فمهما يكونوا في قواهم فإننا

بإيماننا نبقى أعز وأعظما

وهكذا نشر الطائر جناحه الذي لا يعترف بالحدود المصطنعة، وحط في الكويت سنة 1959، حيث عاش تسع سنوات كانت من أغنى سنوات عطائه، عمل في رئاسة المطبوعات والنشر بوزارة الإعلام الكويتية، ورأس تحرير مجلة «الكويت»، وساهم في تأسيس رابطة الأدباء ومجلتها «البيان»، وراح يكتب في الصحافة، ويذيع في الإذاعة، معرفاً بالحركة الأدبية والأدباء في الخليج والجزيرة العربية والوطن العربي، داعياً لنصرة القضايا العربية، قضايا تحرير الأقطار المحتلة، وقضايا النهضة والتقدم وتوحيد القوى.

كانت سنوات الكويت، وقبلها البحرين ـــ الخمسينات والستينات ـــ هي أخصب وأخطر سنوات النضال والمد القومي العربي، وتجلى ذلك في شعر عبدالله الطائي الذي واكب حركة الحياة والنضال وكان مرآتها الشفافة، فحدا صمود بورسعيد الباسل في وجه العدوان الثلاثي، واحتدام ثورة الجزائر، وثورة المغرب، وحنا على جميلة بوحيرد، وشحذ النضال الفلسطيني، وحيا ثورة العراق، ولم يدع خبراً عن عمان وإعلامها إلا أنشد وشدا له، فياض القلب بالحنين الجارف لها:

أبدا على عيني وملء فؤادي

تبدو رؤاها رائحا أو غادي

فكأنما هي للفؤاد نجية

وكأنها للعين نور هادي

خلال أيام الكويت، انتدب الطائي ـــ عامي 63، 1964 ـــ نائباً لرئيس مكتب الكويت في دبي، حيث تابع وتفاعل بإعجاب وتقدير مع بشائر نهضة دبي الحديثة بقيادة الشيخ راشد آل مكتوم:

دبي، توثبي نحو العلاء

وشيدي المجد ظافرة اللواء

وسيرى للغد المأمول، إنا

وهبنا راشدا محض الولاء

بنى بك نهضة أضحت حديثا

لكل العرب من دان وناء

وفي عام 1968، دعاه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ـــ إثر توليه حكم أبوظبي ـــ للعمل مستشاراً له، ونائباً لرئيس دائرة الإعلام، فقدر له أن يساهم في دفع مسيرة النهضة التاريخية في أبوظبي والإمارات. وكان مما قال في قائدها:

بنى فأعلى، وأبلى صابرا فحمى

دارا، وعزبه شعب وبلدان

قد أطلع الفجر في بلداننا وبه

تحدثت صحف واعتز ركبان

ربى العقول، كما أعلى العمارة في

بلادنا، فسما روح وجثمان

وفي عام 1969، جاءته دعوة من معهد البحوث والدراسات العربية بالقاهرة، التابع لجامعة الدول العربية، لإلقاء محاضرات على الدارسين فيه، عن الأدب العربي في الخليج، فكانت حصيلة محاضراته كتابه الرائد «الأدب المعاصر في الخليج العربي»، الذي كان أول دراسة شاملة تلقى الضوء على أدب الخليج والعوامل التي أثرت فيه، وتطوره، وأغراضه، وأعلامه الذين قدم منهم أكثر من ستين شخصية أدبية.

ويعد هذا الكتاب درة أعماله قبله وبعده قدم نخبة من الكتب القيمة: في الشعر: قدم ديوانيه: «الفجر الزاحف»، و«وداعا أيها الليل الطويل». إضافة إلى ديوان مخطوط بعنوان «حادي القافلة». وفي القصة: قدم مجموعته القصصية «المغلغل»، ورواية «ملائكة الجبل الأخضر»، ثم رواية «الشراع الكبير» التي تحكي قصة الكفاح العماني وانتصاره على البرتغاليين الغزاة في منتصف القرن السابع عشر. وفي المقالة والدراسات: قدم «دراسات عن الخليج العربي»، و«شعراء معاصرون»، و«تاريخ عمان السياسي»، و«مواقف».

في يوليو 1970، وبحركة التصحيح التي قادها السلطان قابوس بن سعيد، بدأ عهد جديد في عمان، فأسرعت طيورها المهاجرة إلى العودة إلى الوطن لتساهم في بناء الحياة الجديدة. وعاد عبدالله الطائي ليعمل وزيراً للإعلام، ووزيراً للشؤون الاجتماعية والعمل:

يا بلادي، ما اغتربنا ما نأينا

طالما أنا رجعنا فالتقينا

قد نسينا أمس مذ لحت لنا

ومن البهجة بالعود بكينا

أمس في ظلمائه اندس فلا

ظلما خضنا ولا ذلا رأينا

يا بلادي، هاك قلبي، انه

قلب حر ما ارتضى في العمر شينا

لك منا العهد أن نسعى إلى

مجدك السالف تجديدا وصونا

ومرت الأيام، والفارس لا يترجل ولا يستريح، وإنما يواصل رسالته في بناء الوطن الذي أحبه، وارتحل بلا حدود حاملاً همومه بين ضلوعه، وفي إقامة جسور التواصل وتوثيق عرى الترابط والوحدة بين روافد نهر الثقافة العربية في الخليج والوطن العربي. لكن الأيام لا تمهله. ففي اليوم الثامن عشر من يوليو 1973 فاضت روحه فجأة، في مدينة أبوظبي.

فاضت روح الأديب الذي لم يعرف الحدود، لكن بعد أن أودعت ضمير الأجيال من أبناء الخليج والوطن العربي كلمته الشريفة، ورسالته النبيلة، وقضية حياته الجليلة، قضية التواصل بلا حدود، وقضية النضال من أجل حياة أفضل للإنسان العربي في وطنه وكل الوطن العربي بلا حدود:

من حياض الحب إنا قد شربنا

فنهلنا من رؤاها وارتوينا

فلأجل الوصل ما نحن بذلنا

قد تحدينا، وها نحن انتصرنا

عبدالوهاب قتاية