أكد د. أحمد الطيب رئيس جامعة الأزهر الشريف أنه من أتباع نظرية التحاور على أساس الرأي والرأي الآخر البعيدة كل البعد عن مختلف صور العنف، موضحاً أن الإسلام شريعة للتفاهم والتحاور مع الآخر لا للعنف وسفك الدماء. وأشار الطيب إلى حكم الدين في مختلف المسائل الرمضانية واصفاً السبيل الأمثل، الذي يجب على المسلم أن يتبعه في شهر رمضان ليكون من الفائزين.. وإلى تفاصيل الحوار..

* دائماً يثار الجدل عند بداية كل شهر هجري خاصة شهر رمضان، فكيف تثبت رؤية شهر رمضان؟-يثبت شهر رمضان بأحد أمرين: أولهما، رؤية هلاله يوم التاسع والعشرين من شعبان إذا كانت السماء خالية مما يمنع الرؤية، وذلك للحديث الصحيح: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)، ويكفي رؤية هلال رمضان من قبل رجل مسلم عدل واحد، لحديث ابن عمر، قال: تراءى للناس الهلال، فأخبرت النبي أني رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه)، وثانيهما، يكون عند تعذر رؤية الهلال، وهنا يجب على المسلمين إكمال عدة شعبان ثلاثين يوماً، وذلك للحديث: فإن غم عليكم، فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)، أما ثبوت هلال شوال فيكون بشهادة عدلين اثنين، ولا تكفي شهادة الرجل الواحد العدل لأنه خروج من العبادة يجب فيه التوثق.

فإذا تعذرت رؤية الهلال، فيجب إكمال رمضان ثلاثين يوماً، ويجب أن يكون التماس الهلال عند غروب الشمس في اليوم التاسع والعشرين من شعبان ورمضان، وذلك من فروض الكفاية. وكذلك اتفق العلماء على جواز استعمال المراصد لرؤية الهلال، لأن إثباته يبقي مبنياً على الرؤية بالعين ولو استعملت وسائل مساعدة حديثة، واختلفوا في إثبات الهلال عن طريق الحساب من غير رؤية، نظراً لأن أكثر العلماء المعاصرين يرون أن إثبات الهلال بالحساب لا يجوز، لأنه مسألة تعبدية يجب الوقوف فيها عند النص.

وفي الوقت ذاته أجمع علماء السلف أن الصوم والإفطار اعتماداً على النجوم لا يصح لأن علم النجوم حدس وتخمين، خاصة وأن المقصود من الرؤية تيقن ولادة الهلال، وقد نبه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سبب الاعتماد على الرؤية، وهو أن المسلمين لا يعرفون الحساب، مما يعني أنهم إذا تعلموه أمكن لهم الاعتماد عليه، قال: نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا - أي تسع وعشرون أو ثلاثون)، ومن المعروف أن الحساب اليوم يختلف عن الحساب في الماضي، الذي كان يغلب عليه الظن والتخمين.

ثبوت الرؤية

* ولماذا يحدث الاختلاف بين البلاد الإسلامية؟

- يكون اختلاف المطالع، إذا ثبتت رؤية الهلال في قطر من الأقطار، ولم تثبت في قطر آخر، إلا أن أكثر علماء الأمة يرون أنه يجب الصوم على جميع المسلمين في جميع الأقطار في حالة ثبوت الرؤية في أحد الأقطار، لأنه لا عبرة عندهم باختلاف مطلع الهلال، وهو الرأي الصحيح عند الأحناف، والمختار عند الشافعية أنه يعتبر لأهل كل بلد رؤيتهم، ولا تلزمهم رؤية غيرهم إلا إذا اتحد مطلع الهلال بين البلدين.

* وماذا عن مشروعية الصيام فقهياً؟

- الصيام هو الإمساك عن المفطرات، من طلوع الفجر إلي غروب الشمس، مع النية، وقد فرض الله تعالى على المسلمين صيام شهر رمضان في السنة الثانية للهجرة، ولليلتين خلتا من شهر شعبان، وتدرجت أحكام الصيام في مراحل ثلاث، أولها، كان فرض الصيام فيها على التخيير، فمن شاء صام، ومن شاء لم يصم - ولو كان قادراً - وعليه الفدية طعام مسكين، وثانيها، أصبح فرضاً لا صيام فيها إلزاماً بغير تخيير، ورخص للمريض والمسافر أن يفطر ويصوم بعد رمضان بدل الأيام التي أفطرها.

ثالثها، إباحة الطعام والشراب والجماع من غروب الشمس إلى طلوع فجر اليوم التالي. وقد كان أحكام الصيام في المرحلتين الأولى والثانية أن الصائم إذا نام حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى اليوم التالي، فشق ذلك على المسلمين، فنزل قوله تعالى: أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) إلى قوله تعالى: وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) البقرة 187، وقد أجمع المسلمون على وجوب صيام شهر رمضان، وأنه ركن من أركان الإسلام وأن منكره كافر مرتد.

شروط الصيام. نوعان: أولهما، شروط الوجوب، أي الشروط اللازمة ليكون الصيام واجباً - وهي: الإسلام، والتكليف، والإطاقة للصيام، فيسقط الصيام عن غير المسلم، ويسقط عن المسلم غير المكلف، كالمجنون والصبي، وإن كان الصبي يؤمن بالصيام ليعتاد عليه، ويضرب عليه إذا بلغ عشر سنين، ويصبح منه إذا كان مميزاً (أي بلغ سبع سنوات).

كما يسقط الصيام عن الذين لا يطيقونه أصلاً، كالشيخ الكبير والمريض مرضاً لا يرجى شفاؤه، وتجب عليهم الفدية. أما النوع الثاني، فهي شروط الأداء أو الصحة، أي الشروط اللازمة ليكون الصيام صحيحاً مقبولاً - وهي: الإسلام، والتمييز بالنسبة للصبي، والطهارة من الحيض والنفاس، لأن الحائض والنفساء يجب عليهما الصيام ولا يصح منهما إلا بعد أن تطهرا، فتطهر طيلة فترة حيضهما ونفاسهما، حتى إذا طهرتا يجب عليهما أن تصوما بدل الأيام التي أفطرتاها، كما يشترط لصحة الصيام أن يقع في يوم لم ينه عن الصيام فيه كأيام العيدين وسواها.

أركان الصيام

* هل هناك أركان شرعية متفق عليها للصيام؟

- هناك ركنان للصيام وهما، النية: لأنها هي التي تميز العبادات عن العادات، ولا يشترط التلفظ بها لأن محلها القلب، فمن تسحر قاصداً للصيام فهو ناوٍ، ومن عزم على ترك المفطرات طاعة لله فإن عزمه نية، ووقت النية طيلة الليل وحتى طلوع الفجر، وذلك في صيام شهر رمضان، وقضاء الأيام الفائتة من رمضان، وصيام النذر، وصيام الكفارة، فإذا طلع الفجر.

ولم ينو لا يصح الصيام، وذلك لحديث حفصة قالت: قال: من لم يجمع - من الإجماع إلى إحكام النية والعزيمة - الصيام قبل الفجر، فلا صيام له)، أما صيام التطوع، فتصح النية فيه حتى ما قبل الزوال عند الأحناف والشافعية، وذلك لحديث عائشة، قالت: دخل على النبي ذات يوم، فقال هل عندكم شيء؟ قلنا: لا، قال: فإني صائم. أما الركن الثاني فهو الامتناع عن المفطرات من طلوع الفجر إلى مغيب الشمس.

والمفطرات أربعة أنواع، كل ما يدخل إلى الجوف عن طريق الفم، سواء كان طعاماً أو شراباً يتغذى به الجسم، أو كان شيئاً لا فائدة منه للجسم، وكل ما يغذي الجسم ولو دخل من غير الفم كإبرة المصل وسواها، أما إبر الدواء سواء كانت في العضل أو في العروق فلا تفطر، القيء عمداً، أما القيء رغماً عنه، فلا يفطر، والاستمناء.

وهو تعمد إخراج المني، سواء كان سببه تقبيل الرجل لزوجته، أو كان باليد، فهو مفطر، أما إذا كان سببه مجرد النظر أو التفكر، فلا يفطر، وكذلك نزول المذي لا يؤثر على الصيام، أما الجماع، فلم يُبحه الله في شهر رمضان إلا في الليل: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) البقرة 187.

ويشترط في جميع هذه المفطرات أن يفعلها الصائم ذاكراً للصوم، فلو أكل أو شرب أو استمنى، أو استقاء، أو جامع ناسياً للصوم فإنه لا يفطر سواء كان ذلك في شهر رمضان أو في غيره، وسواء كان الصيام فرضاً أو نفلاً لقوله عليه الصلاة والسلام: من نسي - وهو صائم - فأكل أو شرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه.

* وكيف يكون قضاء الفائت من صيام شهر رمضان؟

- يجب قضاء الأيام الفائتة من رمضان ويكون ذلك برحمة الله على التراخي حتى رمضان المقبل باتفاق العلماء، والقضاء كالأداء من حيث العدد، فمن فاته ثلاثة أيام يصوم بدلاً عنها ثلاثة أيام فقط، ولا يجب التتابع في القضاء، فيجوز أن يصوموا ثلاثة أيام متفرقة، ولكن التتابع أفضل، لأنه أشبه بالأداء، وإذا دخل رمضان المقبل دون أن يقضي ما عليه من الفوائت، فإن كان ذلك لعذر، فإنه يؤخر القضاء إلي ما بعد صيام رمضان.

ولا شيء عليه، وإن كان لغير عذر، وجب عليه القضاء بعد رمضان مع الفدية، وهي إطعام مسكين واحد عن كل يوم، وإذا مات المسلم، وعليه صيام، فيستحب لوليه أن يصوم عنه، لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مات وعليه صيام، صام عنه وليه، وعند الشافعية، فالولي مخير بين الصيام والفدية، أما مذهب الجمهور، فهو أن يطعم وليه عنه مسكيناً كل يوم، وذلك للحديث: من مات وعليه صيام أطعم عنه مكان كل يوم مسكيناً.

* ما هي مبيحات الصيام في شهر رمضان؟

- يباح للصائم النزول في الماء والانغماس فيه للاغتسال، لما روي أن رسول الله كان يصب على رأسه الماء وهو صائم من العطش أو من الحر، وإذا دخل الماء إلي جوف الصائم من غير قصد، فصومه صحيح لأنه يشبه الناسي، والاحتكاك والقطرة في العين، ولو وجد طعمها في حلقه، لأن العين ليست منفذاً إلى الجوف، وكذلك القطرة في الأذن، أما ما يدخل عن طريق الفم والأنف، فهو مفطر.

والمضمضة والاستنشاق دون مبالغة، فإن بلغ شيئاً من الماء بغير قصد لا يفطر لأنه يشبه الناسي، والقبلة لمن قدر على ضبط نفسه، ولا فرق في ذلك بين الشباب والشيوخ، لأن المهم القدرة على ضبط النفس، فمن كان من عادته أن تتحرك شهوته بالقبلة كرد له ذلك، وفي الحديث الصحيح أن رسول الله كان يقبل وهو صائم. يباح للصائم ما لا يمكن التحرز منه كبلع الريق، وغبار الطريق، كما يباح شم الروائح الطيبة، ويباح للمرأة عند الضرورة أن تذوق الطعام، ثم تلفظه حتى لا يدخل إلي جوفها فتفطر، .

ويباح للصائم أيضاً أن يستيقظ على جنابة، سواء كانت من احتلام، أو من جماع، والأفضل الاغتسال من الجماع قبل النوم، ويباح للصائم الاستمرار في الأكل حتى طلوع الفجر، فإذا طلع الفجر وفي فمه طعام، وجب عليه أن يلفظه، فإن فعل، صح صومه، وإن ابتلع ما في فمه عن طعام مختار أفطر، والأفضل أن تمسك عن الطعام قبل الفجر بقليل.

* ظاهرة تضارب الفتاوى تثير قلق الكثيرين، فكيف برأيك الحل الأمثل؟

- إن واجب العالم، خاصة إذ كان ممن يتولون مسؤولية الإفتاء، أن يراجع نفسه، وأن يعود إلى الحق إذا ما اتضح له غير ما أفتى أو اجتهد به، فالرجوع إلى الحق فضيلة ينبغي أن يتمتع بها كل علماء الإسلام.

في كل العصور وفي كل البيئات، والتراجع عن رأي أو اجتهاد أو موقف عندما يوجد ما يستدعي هذا التراجع لا يهز صورة المفتي، بل على العكس يقوي موقفه ويحسن من صورته ويضاعف الثقة به لأنه تخلق بأخلاق علماء الإسلام الكبار، لذلك أرى أنه لا يوجد حرج في التراجع عن فتوى أو اجتهاد إذا ما جد جديد يستدعي هذا التراجع، كأن توجد أدلة وبراهين جديدة أو أكثر مصداقية تفوض على المفتي أن يغير رأيه أو يتراجع عن فتوى سابقة، أو أن توجد ظروف وملابسات جديدة تستدعي تغيير الحكم الشرعي الاجتهادي، الذي يتغير ويتبدل بتغير الظروف والأحوال ويختلف من مجتمع إلى آخر.

صراع قائم

* وماذا ترى في الصراع القائم بين الغرب والمسلمين في الآونة الأخيرة، الذي تجسد في الحرب الظالمة التي تشنها إسرائيل على الداخل، الفلسطيني والجارة اللبنانية بدعم واضح من الولايات المتحدة الأميركية وغيرها من بلاد أوروبا؟

-إن محاولة إقحام الإسلام في ساحة الصراع الحضاري مؤامرة صهيونية، ذلك أن ثقافة العداء والمواجهة الحضارية، التي تنتشر في الغرب تدعمها القوى الصهيونية واليمين المتطرف لخلق حالة من المواجهة والصراع بين الحضارتين الإسلامية والغربية، نحن كمسلمين نفتخر بأننا أصحاب حضارة عريقة ملأت العالم نوراً وعلماء وجسدت كل قيم التسامح، التي جاء بها الإسلام، ولو استعرضنا مسيرة الحضارة الإسلامية لوجدناها جسدت كل قيم التسامح التي جاء بها الإسلام، واعتمدت على الحوار في المقام الأول، ولذلك سادت العالم في أقل من مئة عام بعد نزول القرآن الكريم.

وما كان لحضارة الإسلام أن تنتشر بهذه الصورة التي أذهلت علماء التاريخ لولا أنها كانت ترتكز على وسيلة الحوار والحجة والإقناع، وتكفي نظرة سريعة إلي خارطة التراث في هذه الحضارة لتتعجب من قدرة أهلها عن هضم ثقافات الأمم الأخرى وتمثلها وتطويعها وصياغتها من جديد صياغات أفادت الإنسانية في الشرق والغرب على السواء.

وإذا ما نظر هؤلاء المتطاولون على حضارة الإسلام إلى تراث علمائنا الأفذاذ من الفقهاء والفلاسفة والمفسرين والأصوليين المتكلمين والأطباء وعلماء الفلك وغيرهم، لوجدوا أن الحضارة الإسلامية لم تكن أبداً حضارة صراع أو نفياً للآخر وسحقه وإزالة ملامحه وقسماته.

كيف يكون ذلك والقاعدة التي أسسها لها رسولها الأعظم، تقرر أن الحكمة ضالة المؤمن أن وجدها فهو أحق الناس بها! لكن في كل الأحوال فنحن كمسلمين مطالبون بأن نواجه الافتراءات الغربية بعقلانية وهدوء، فلا ينبغي أن نعطيهم الفرصة، لكي يجرونا إلى جدال ومعارك كلامية لا تفيد، بل واجبنا أن نرد على اتهاماتهم بعرض محاسن حضارتنا والكشف عن عطائها المتواصل للإنسانية، وعلى الجانب الآخر علينا أن نأخذ بكل الأسباب والوسائل التي نستعيد بها أمجادنا الحضارية ونرد على سخافات الغربيين بأسلوب علمي.

الإسلام بتعاليمه ومبادئه وتشريعاته أكبر باعث على الحضارة، وفي بلادنا الإسلامية كل الخيرات والموارد والطاقات البشرية التي تمثل الأدوات الأساسية للحضارة والرقي المادي والعلمي، يؤكد أن المواقف العدائية لبعض القادة ورجال الفكر والسياسة والدين في الغرب لا ينبغي أن تفرض علينا موقفاً عدائياً تجاه الحضارة الغربية.

وما نراه الآن من غطرسة صهيونية ضد العرب في فلسطين ولبنان، ما هو إلا ترجمة لهذا الصراع الدامي الذي يقف وراءه بعض المتشددين في إسرائيل والإدارة الأميركية ومن يواليهم الظلم والعدوان والغطرسة، وهذا كله يستوجب من العرب والمسلمين التوحد واتخاذ مواقف جماعية موحدة لرفض هذا الظلم، الذي يقع على هؤلاء المستضعفين.

في عالم سادت فيه حضارة اختارت عن عمد أن تعرج على ساق واحدة، وذلك حين تنكرت للوحي الإلهي وأدارت له ظهرها وضربت بضوابط الأخلاق الدينية عرض الحائط، ثم راحت تختزل الأهداف والغايات العليا في هدف كاد ينحصر في البعد المادي، وأعني به (وفرة الإنتاج) وتكريس الحرية الفردية والسعادة بمفهومها الدنيوي الخالص، واستغلال الشعوب واستعمارها والسيطرة عليها وعلى ثرواتها ومقدراتها. * وهل تتفق مع من يواجهون هذه الدعاوى الرافضة لكل ما هو إسلامي بالقوة والعنف؟

- أنا ضد اتخاذ مواقف غاضبة كرد فعل لما يفعله الآخر، نحن نتحاور معهم انطلاقاً من موقف إسلامي تتجسد فيه كل معاني التسامح والعدل، فالإسلام هو الذي يحثنا على الحوار والتفاهم مع أهل الكتاب والتعاون معهم فيما يحقق مصلحة الناس جميعاً من مسلمين ومسيحيين وغيرهم، صحيح أن مواقفهم العدائية من الإسلام غير مبررة مع أن الإسلام اعترف بهم، وحث كل أتباعه على معاملتهم معاملة كريمة تقوم على العدل والإنصاف.

كننا في كل الأحوال مأمورون بالالتزام بتعاليم ديننا لكن بشرط أن يكون الحوار متكافئاً مثمراً، ونأمل أن يتخلى الغربيون - من كتاب ومفكرين وساسة ورجال دين - عن عدائهم المتوارث للإسلام وأن يقرأوا تعاليم ومبادئ هذا الدين العظيم بعقول متجردة من الهوى، وأن يتخذوا مواقف عادلة تجاه الإسلام وقضايا المسلمين، وأن يتخلوا عن تحيزهم الأعمى للصهاينة ومساندة عدوانهم وإجرامهم ضد الشعب العربي.

ولا أضم صوتي إلى أصوات المتخوفين من تأثير العولمة الغربية على الإسلام، لأنني على ثقة من أن الإسلام العظيم - الذي نعرفه ونؤمن به وندعو الناس إليه - قادر على استيعاب كل الثقافات والحضارات والتعامل معها، لكن ما أخشاه هو تأثير العولمة السلبي على المسلمين الذين أهملوا تعاليم دينهم وتخلوا عن كثير من قيمهم الحضارية.

وهذا التأثير السلبي للعولمة على مجتمعات المسلمين لا يحدث نتيجة عدم قدرة الإسلام بمبادئه وأخلاقه على المقاومة، بل يحدث هذا التأثير السلبي نتيجة عدم تمييزنا بين المعلومة المفيدة والقيمة العلمية التي ينبغي أن نستوردها ونستعين بها ونتفاعل معها لتطوير وتنمية مجتمعاتنا الإسلامية، وبين السلوكيات الشاذة والغربية التي كرستها الثقافة أو الحضارة الغربية في المحيط الاجتماعي والأخلاقي.

* المساس بالمقدسات - ما هو تقييمك على ما أقدمت عليه إسرائيل من المساس بالمقدسات الإسلامية والمسيحية مؤخراً في الأرض المحتلة والهجوم الشرس على جارتها لبنان؟

- عند الحديث عن إسرائيل يجب أن نؤكد أن هناك فرقاً شاسعاً بين اليهودية كدين، واليهود كأهل كتاب، والصهيونية كفكر استعماري، وما يحدث الآن فوق الأراضي الفلسطينية المحتلة وكذلك في لبنان هو تجسيد لهذا الفكر الصهيوني المتطرف، ومن جهة أخرى لقد أمرنا الإسلام بالدفاع عن أنفسنا إذا اعتدي علينا أحد وسلب حقاً من حقوقنا.

هذا حق مكفول في أي قانون، ولكن إقدام إسرائيل على المساس بالمقدسات المسيحية والإسلامية وقتل الأبرياء في فلسطين ولبنان لا نعرف له نظيراً في الأحداث، التي حدثت في التاريخ البشري، والغريب أن هذه الهمجية الصهيونية تدعمها آلة عسكرية غربية ظهرت مؤخراً خلال الأحداث الأخيرة، وكيف كان الموقف الأميركي لهجومها المتغطرس يمثل حافزاً للاستمرار ضد شعب أعزل لا يمتلك أي مقومات للدفاع عن نفسه.

ويعكس ذلك كله الفوضى والتعصب الذي يسود العالم المعاصر الآن، بجميع مؤسساته، وكان أشد ما أفزعني هو منع قوات الاحتلال الإسرائيلي وصول هذه الإغاثة الدولية كالصليب الأحمر والإسعاف، لتترك الجرحى ينزفون حتى الموت في مختلف قرى ومدن الجنوب اللبناني، ولكنني لدي أمل كبير في زوال دولة إسرائيل على يد المقاومة اللبنانية والفلسطينية الباسلة.

التاريخ يعيد نفسه

* كثيراً ما يتذرع الغرب بفكرة التجديد بفهم الإسلام بالانغلاق ويفرض علينا العولمة كثقافة غربية وكوصاية فكرية، ما رأيكم؟

- الحقيقة أن الإسلام دين الفطرة وبطبيعته أنه دين عالمي، ولذلك خرج من الجزيرة العربية وانتشر بين الأمم والشعوب الأخرى واحتواها، لكن هناك فرقاً بين عالمية الإسلام والعولمة، لأن الإسلام حمل رسالة الحق إلى الإنسان ولم يجتث جذور هذا الإنسان وطبائعه ولم يفرض عليه نمط حياة معين يخالف أنماطه، هذا من كان يفعله النبي، حينما كانت تأتيه الوفود من خارج الجزيرة فلم يطالبهم بتغيير طبائعهم وأنماط حياتهم، بل تركهم كما يريدون لذلك فالمحافظة على الثقافة العامة أو الحضارة العامة الموجودة في البلاد المفتوحة يحترمها الإسلام.

أما قضية العولمة فهي قضية الغرب الأولي، حيث يريد من خلالها فرض ثقافة المركز على الأطراف، وبالتالي فرض حضارة الغرب على البلاد الأخرى، وهذا ما ترفضه البلاد الإسلامية، لأن الإسلام يشكل سلوك المسلم اليومي ويعتبر منهج الحياة في كل صغيرة وكبيرة منذ ولادة الإنسان وحتى رحيله.

* وما رأيك فيمن يتشدقون بالعلمانية ويرون فيها المنهج الملائم للحياة العصرية؟

- الإسلام دين حصين ودين عبادة وسياسة، لأنه دين الحياة بكل ما فيها ومن فيها، ولهذه الشمولية ولكون الإسلام متغلغلاً في السلوك لا يمكن أن تستجيب لدعوة العولمة والعلمانية بتغيير ثقافتنا ونمط حياتنا وبرؤية أفلام الغرب، ولنا نمط سلوكي إسلامي خاص وأصول أخلاقية مستوحاة من ديننا الذي يضبط هذه الأخلاق، وهذا السلوك الإسلامي صالح لكل زمان ومكان، وليس صحيحاً أنه لا يتفق مع الحياة العصرية.