إذا كان الامام أحمد بن حنبل قد مضى بالفضل كله، في غمار تصدره لأهل الرأي والقائلين به، فإن المسجد الذي يحمل اسمه في الشارقة، الذي افتتح في شهر رمضان عام 1417 الموافق عام 1997، يمضي بمن يقترب منه إلى الوقوف طويلاً في موقف التأمل.

نحن هنا أمام أحد المساجد الجامعة العديدة، التي أقيمت على امتداد أرض الإمارات الطيبة قبيل أو بعيد الألفية الثالثة مباشرة، في إطار ما أسماه أحد الباحثين العرب الكبار بـ «طبائع الأمور». وهو يريد من الإشارة إلى طبائع الأمور التنويه بأن تبني هذه النوعية من العمارة المسجدية هو تطور طبيعي ومنطقي، في ضوء الزيادة السكانية الكبيرة التي شهدتها مدن الإمارات، وحتمية توفير المساجد والجوامع، التي تخدم من يشكلون عناصر هذه الزيادة، وغالبيتهم من المسلمين.ومن ناحية أخرى، فقد توافرت الموارد الكفيلة بتشييد هذه المساجد، وتعدد الرعاة الذين حرصوا على أن تتخذ مساهماتهم صور مساجد ذات طابع صرحي هائل.

لكن الذاكرة الجمعية للمسلمين تمتد ما يزيد على ألف عام من عمارة المساجد، فمن أي سياق يتم اختيار التقاليد المعمارية التي ستبنى في إطارها هذه المساجد؟ إنه سؤال صعب بالتأكيد، ولكنه ليس السؤال الصعب الوحيد في سياق شديد التخصص كسياق العمارة المسجدية.وتقليدياً كانت هناك لجنة فنية متخصصة تنبثق عن الجهة القائمة على مشروع المسجد، هي التي تحدد الإطار العام الذي يتم بناء المشروع فيه، وقد تصل إلى ترجمة خياراتها عبر لغة المهندسين والاستشاريين في إطار ما يعرف تقليديا بكراسة المواصفات.هذا الموضوع هو على وجه الدقة ما يحجم العاملون في الميدان عن الحديث فيه، ربما لأن وقتهم أغلى من أن يقضوه في الحديث، وربما لأنهم غالبا ما ينفذون مشروعات وصلتهم صورتها متكاملة عبر كراسة المواصفات العتيدة إياها.وأنا بدوري أشاركهم الاحجام عن الحديث عن هذا الجانب، لأسباب خاصة بي، ولكنني سأشير، بأوسع المعاني، إلى بعض النقاط المهمة.

* غالبا ما يتم استبعاد العمارة المسجدية الأهلية، وهو أمر في اعتقادي يثير الدهشة والذهول، فهناك تجارب قائمة على الأرض تؤكد العطاء الرائع وظيفيا وجمالياً للمساجد التي شيدت في هذا الإطار.* كثيرا ما يؤدي الطراز المعروف بعموم الإسلامي إلى تقديم ما يمكن وصفه بالحل الوسط الذهبي، فهناك تيار بكامله من الفنيين الذين يتحمسون لهذا الإطار الفني، الذي ينبغي ألا ننسى أنه يتقدم بحلول عملية لكثير من المشكلات التي تبرز في سياق العمارة المسجدية.* هناك من يتحمسون لنماذج بعينها من روائع العمارة الإسلامية، وبصفة خاصة العمارة العثمانية في تقاليدها المنتمية إلى القرن السادس عشر تحديداً، وأيضا العمارة الفاطمية والعمارة المملوكية على نحو ما وصلت في تطورها الرهيف إلى أواخر الدولة المملوكية.* ونجد أيضا ميلاً للجمع بين عناصر شتى من طرز إسلامية مختلفة مع محاولة تحقيق التناغم والتناسق بينها.

* هناك أمثلة نادرة للاجتهاد المعماري الأصيل الذي لا تملك إلا الوقوف عنده بالتأمل والتقدير سواء أتحمست له أم تحفظت حياله.

وما يعنينا في جامع الامام أحمد بن حنبل بالشارقة هو أنه نسيج وحده في غمار هذا كله.عندما يوقفك هذا المسجد موقف التأمل، فإنك لا تملك إلا أن تلاحظ انفصاله عن النسيج الحضري المحيط به ليحقق هذا على وجه الدقة أي اتاحة المجال لتأمل جمالياته الفريدة.

كتلة البناء المستطيلة، القوية، المرتفعة، ستشد نظرك بقوة، وتتوقف طويلاً عند تأطير هذه الكتلة بمئذنتين ترتفعان أكثر مما درجنا على رؤيته تقليديا في الشارقة، ولكن من دون أن يفقدهما ذلك تناغمهما مع كتلة البناء.تتردد اصداء هاتين المئذنتين مع القبتين، اللتين تعلوان المسجد، واحداهما رئيسية عالية تتقارب في رقبتها المنافذ والكوى وتمتد على سطحها الاضلاع الهندسية البديعة والثانية تشاركها جانباً من جمالياتها.

وعند المداخل، كما في كل أرجاء المسجد، تلفت نظرك العقود الحدودية البديعة، التي تمنح المداخل بهاء فريدا، وفي قاعة الصلاة الرئيسية تشكل حضوراً قوياً انشاء وبديعاً وزخرفة.وربما كان العنصر الأكثر أهمية في هذا المسجد الجامع هو ان عناصر الإنشاء والمشروع الزخرفي يصل تكاملهما إلى ذروة رفيعة، نادراً ما نراها بهذا القدر من الشموخ.

كامل يوسف- صوير: محمود الخطيب