ذاكرة الإسلام ذاخرة بالأعلام الذين خدموا في تفان أهداف هذا الدين القويم، ومن عظيم دور بعض هذه الأسماء يصعب تعريفهم لأنهم أغنياء عن التعريف بما تركوه من تراث علمي وآثار عملية جعلت من اسمهم أعلاما لا يمكن أن يسبقها تعريف، وهكذا نقف عاجزين أمام هذا الاسم الكبير في عالم التلاوة والابتهال، هو مبتهل عرفه المسلمون في إذاعات القرآن الكريم بتلاواته المتميزة وابتهالاته الجادة التي يغلب عليها الصفاء، من ابتهالاته: (لك الحمد، لا اله إلا الله، ويا رب هيئ لنا من أمرنا رشدا).

هو الشيخ محمد صلاح الدين كبارة العالم الكبير وأحد أعلام القراء والمبتهلين في العالم الإسلامي، إنه شيخ القراء صاحب المدرسة المتفردة في أصول الألحان وقراءة القرآن وتجويده، وهذا ما حدا بالإذاعات والمرئيات إلى التنافس على بث تسجيلاته، فذاع صيته أصقاع الدنيا وكان مرجعاً في علم القرآن وفن التجويد والابتهال، وهو ابن أكبر العائلات في طرابلس من حيث العدد أنها عائلة آل كبارة، هذه العائلة الفاضلة التي يعود تاريخها إلى زمن طويل مضى عندما قدمت من المغرب العربي إلى طرابلس الشام، وكانت تسمى بآل الكبير ومع مرور الزمن أصبح اسمها في طرابلس آل كبارة، وتفرع من هذه العائلة آل الطبارة وهم من أهالي بيروت فآل الطبارة وآل الكبارة ينتسبون إلى جد واحد كان يسكن طرابلس. ولد الشيخ محمد صلاح الدين كبارة في طرابلس الشام عام 1921م في أحضان أسرة عريقة في التدين والتقوى والصلاح، وكان والده الشيخ محمد علي يوسف كبارة من كبار المنشدين أصحاب الصوت الجميل.

لذلك غلب على أكثر أولاده الصوت الجميل، وكان هذا الشيخ المنشد صديقاً حميماً للشيخ عمر الرافعي الشاعر الشامي المعروف ببلاغته، والذي كان ينظم الأشعار والقصائد ثم يلحنها وينشدها الشيخ على كبارة مع أولاده وتلاميذه، وهكذا ترعرع الشيخ محمد في هذا الجو الروحاني مع والده وإخوته وسط مدرسة كانت مرجعاً للأناشيد الدينية، لذلك كان يردد دائماً رحمه الله لقد رضعت الألحان مع الحليب في صغري.حفظ كتاب الله وتلقى الشيخ محمد صلاح كبارة علومه الأولية في بلده طرابلس اللبنانية (الآن)، حيث حصل على الشهادة الابتدائية عام 1934م من دار التربية والتعليم الإسلامية، ثم تابع دراسته في القسم الشرعي في نفس الدار وحصل على الشهادة الشرعية عام 1938م، ثم عكف بعدها على حفظ القرآن الكريم على يد فضيلة أحد أعلام قراء مدينة طرابلس فضيلة الشيخ محمد نصوح البارودي رحمه الله، وذلك بتوجيه وتشجيع من سماحة مفتي طرابلس الشيخ محمد نديم الجسر، حتى أتم حفظ القرآن في عام 1941م.

وبعد أن أتم حفظ كتاب الله سافر الشيخ محمد كبارة إلى مصر قاصداً الأزهر الشريف، حيث رغبته في تلقي علوم القراءات المتواترة على يد أحد مشايخ هذا الجامع الكبير المتمكنين من هذه العلوم القرآنية، وبالفعل أتم القراءات السبع عن طريق الشاطبية على يد الشيخ والعالم الجليل عامر السيد عثمان، وكان ذلك في عام 1945م، ليعود إلى بلدته طرابلس مرة أخرى محملا بالعلوم الشرعية، إلا أنه قرر العودة إلى مصر مرة أخرى عام 1960م؛

ليتم القراءات العشر عن طريق الشاطبية والدرة، وكذلك على يد الشيخ الراحل عامر السيد عثمان وأجيز بذلك أيضا، وكان قد تم تعيينه أثناء فترة تواجده الأولى بمصر من قبل وزارة الأوقاف المصرية قارئاً في مسجد الفتح بميدان رمسيس عاماً كاملاً، وكان في ذلك ينافس أهم قراء مصر في هذه الآونة، خاصة وأن هذا المسجد يعد من أهم مساجد القاهرة، عين الشيخ محمد صلاح كبارة عقب عودته من مصر المرة الأولى من قبل مديرية الأوقاف الإسلامية في لبنان مدرساً للقرآن الكريم والقراءات وكان ذلك في عام 1949م.

قام بتدريس هذه المادة في القسم الشرعي بدار التربية والتعليم الإسلامية منذ عام 1951 وحتى عام 1988م، وتخرج على يديه أجيال متعاقبة من حفظة كتاب الله والقائمين علي رعايته وحفظه من كل يد ترغب العبث به، مدرس القراءات وفي عام 1951م، صدر مرسوم بتعيينه مدرساً بدار الإفتاء بطرابلس وقارئاً في المسجد العمري الكبير في بيروت وفي الإذاعة اللبنانية.

حيث بدأ مشوارا جديدا مع الابتهال الذي أحبه كثيرا وورث قوة أدائه من والده المنشد الكبير، وتعاقدت معه الإذاعة على تسجيل عدد كبير من الابتهالات والتلاوات، ولتميزه وكفاءته التي تشهد عليها أعماله الخالدة التي تركها، صدر في عام 1974م، قرار من مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ حسن خالد بتعيينه شيخ قراء طرابلس لكونه أجدر الناس بهذا المنصب، فهو خبير في القراءات العشر.

نابغة في الأداء الصوتي واللحني، فصوته رحمه الله كان رخيما وعناية في فن التجويد كانت فائقة، انتقل الشيخ محمد صلاح كبارة في عام 1982م، من القسم الشرعي بدار التربية والتعليم الإسلامية ليبدأ في تدريس مادة القرآن الكريم وتجويده في معهد طرابلس الجامعي للدراسات الإسلامية، واستمر عمله في هذا المعهد حتى عام 1995م، كما شارك في الهيئة التأسيسية للمعهد.

يذكر أنه في عام 1992م، قام مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ الدكتور محمد رشيد قباني باختيار الشيخ محمد صلاح قباني ليكون نائباً لرئيس مجلس إدارة الأوقاف الإسلامية في طرابلس، بالإضافة إلى توليه رئاسة لجنة التحكيم في كل المسابقات التي تجريها الهيئات والمؤسسات الإسلامية في لبنان، وعلى صعيد عمله الإذاعي، تعاقدت الإذاعة الفلسطينية بالقدس الشريف مع الشيخ كبارة في عام 1947م لتلاوة القرآن الكريم في الإذاعة وفي حرم المسجد الأقصى المبارك، واستمر عمله في القدس عام 1948 حيث عاد إلى موطنه طرابلس.

وفي عام 1964 تعاقد مع الإذاعة الأردنية لتلاوة القرآن الكريم في المسجد الأقصى طيلة شهر رمضان المبارك، وفي عامي 1967- 1968م مثل لبنان في المؤتمر الثاني والثالث لاتحاد قراء العالم الإسلامي في دولة باكستان. شهرة فائقة ذاعت شهرة الشيخ محمد صلاح كبارة وفاقت حدود المحلية بعد تعاقد الإذاعة الفلسطينية معه، وتمثيله لوزارة الأوقاف اللبنانية في مؤتمرات اتحاد القراء، وهذا ما دعا وزارة الأوقاف الكويتية للتعاقد معه في عام 1972م وعام 1979م؛

لتلاوة القرآن الكريم في مساجدها طيلة شهر رمضان المبارك، ومثلها فعلت المملكة العربية السعودية حيث تعاقدت معه في عامي 1974- 1975 لكي يعمل في الرياض كمراقب للقراءات في البرنامج السعودي العام، ومن طرابلس لبنان إلى طرابلس ليبيا يسافر الشيخ كبارة في عام 1982م؛ لكي يشترك في عضوية لجنة التحكيم الدولية في مسابقة القرآن الكريم في طرابلس الغرب- ليبيا- وقد من الله عليه بتسجيل المصحف المرتل في إذاعة القرآن الكريم فيها، وما بين عام 1984 و1993 عين أربع مرات عضواً في لجنة التحكيم الدولية لحفظ كتاب الله وتجويده وتفسيره بمكة المكرمة.

والتي تشرف عليها وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد في المملكة العربية السعودية، ومن ليبيا إلى المغرب كانت الشهرة والسمعة الطيبة، ومن ثم دعته وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في المملكة المغربية في عام 1993- 1997 لحضور الدروس الحسنية وتلاوة القرآن فيها، وفي عام 1995 دعي إلى إيران ليكون أحد أعضاء لجنة التحكيم في مسابقة القرآن الكريم.

ذكور ستة

تزوج الشيخ محمد صلاح كبارة سيدة لبنانية وأنجب منها ستة ذكور، وهم: (موفق، عامر، مصطفى، بلال، هلال، خلدون)، وكان رحمه الله معتدل القامة حنطي اللون يزدان رأسه بعمامة متواضعة، دمث الأخلاق ذو طلعة مهيبة قريب من القلب سلس في الكلام طيب المعشر صاحب نكتة ظريفة لطيف الدعابة محباً للخير ساعياً للناس بشتى أنواع الخير.

هكذا كان الشيخ صلاح الدين كبارة قارئاً ومبتهلا وعاملاً بالقرآن الكريم إلى أن أكرمه الله وتوفاه في رمضان وفي العشر الأخير منه، وهو كما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم العتق من النار، حيث توفي الشيخ الجليل في 23 رمضان 1420 الموافق له آخر يوم من سنة 1999، وفي يوم الجمعة بالذات، الذي يقول النبي صلى الله عليه وسلم في فضله: (خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها ولا تقوم الساعة إلا يوم الجمعة).