بعد وقفاتنا مع القرآن على مدى ست حلقات هي أقل ما يجب نحو كتابنا الكريم، كان لابد أن نلفت إلى ذلك الذي كان يقول قولاً فيأتي التنزيل موافقاً له حتى عرف بصاحب الموافقات، وعرف كذلك بلقب الفاروق ورافع راية الشورى والخليفة العادل ذلك هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثاني الخلفاء الراشدين من كان إسلامه خيراً وبركة وعزاً للإسلام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين»، وكان الآخر هو عمرو بن هشام الذي عرف بأبي جهل، فاختار العليم الخبير سبحانه وتعالى عمر بن الخطاب للإسلام، فهو دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وبعد هذه المقدمة دعونا نستروح نفحات الفاروق رضي الله عنه. فمن أقواله التي ينبغي أن نستفيد منها نحن المسلمين في كل زمان ومكان قوله للناس: «أرأيتم إذا استعملت عليكم خير من أعلم ثم أمرته بالعدل، أكنت قضيت ما عليَّ؟ قالوا: نعم، قال: لا.. حتى أنظر في عمله أعمل بما أمرته أم لا». بلى يا أبا حفص، هذا هو المطلوب، ليس يكفي أن يكون الحاكم على ثقة من هذا العامل الذي يستعمله، فربما يخل بهذه الثقة ولا يكون أهلاً لها، فلابد من المتابعة المتواصلة لهذا العامل أو ذاك لمعرفة ما إذا كان قد عمل بما كلف به أم أنه خالف ذلك. ومع كل هذا الحرص منه في اختيار ولاته وعماله، كان لا يختارهم إلا عن طريق المشاورة مع أهل الرأي والنصيحة لمن يرشحهم، وكانوا هم من جانبهم لا يداهنون، فيدلون برأيهم دون ميل لزيد أو لعمرو أو استلطافاً لفلان أو علان، إنها أمانة ومسؤولية وكانوا أهلاً لذلك.
تروي لنا كتب التاريخ والسيرة أن أمراً قد أهمه مرة وأراد له الشخص المناسب فقال لأصحابه: دلوني على رجل أستعمله على أمر قد أهمني، قالوا: فلان (ذكروا له اسم رجل بعينه) لكن عمر يبدو أنه كان يعرف عن الرجل ما يجهله الآخرون، فرفضه قائلاً: لا حاجة لنا فيه، وقد عرف رضي الله عنه بنظرته الثاقبة، وكانت له فراسة المؤمن. قال له أصحابه: فمن تريد؟ قال: أريد رجلاً إذا كان في القوم وليس أميرهم كان كأنه أميرهم، وإذا كان أميرهم كان كأنه رجل منهم، فهتفوا جميعهم: ما نعرف هذه المواصفات إلا في الربيع بن زياد الحارثي، فقال عمر: صدقتم ومن ثم ولاه.
هنا نحن بإزاء حالة خاصة، يستبين ذلك من قول عمر بأنه أمر قد أهمه، وما دام هذا الأمر قد أهم الحاكم فهو أمر غير عادي، وبالتالي يتطلب أن يتولاه رجل غير عادي، فما هي مواصفات هذا الرجل من وجهة النظر العمرية؟
إنه رجل إذا كان في الصفوف العادية، برز بأحسن رأيه وقوة شخصيته فكان كأنه أمير في القوم أو كما نقول إنه أثبت وجوده، وإذا كان أميراً في القوم لم يغتر بالإمارة وإنما يكون كشخص عادي لفرط تواضعه، حتى يظن من يراه أنه ليس الأمير ومثل هذا الرجل هو الذي تنجح به المهمات الصعبة وما أحوجنا في كل زمان ومكان لأمثال هؤلاء.
ولم تكن تنطلي على عمر أساليب المتزلفين ماسحي الجوخ ــ كما يقول في زماننا هذا ــ ففي أمر تعيين والٍ على أهل الكوفة، تشير المراجع الإسلامية إلى أن هذا الأمر قد أهمه كثيراً فقال: قد أعياني أهل الكوفة، إن استعملت ليناً استضعفوه، وإن استعملت شديداً شكوه، ولوددت لو أني وجدت قوياً أميناً مسلماً أستعمله عليهم.
فقال رجل: يا أمير المؤمنين أنا والله أدلك على الرجل القوي الأمين المسلم، فسر عمر لذلك وأثنى على الرجل ظناً منه أنه إنما قال ذلك مدفوعاً بالصدق بعيداً عن التزلف والهوى والغرض، لكن عمر ما كاد يسمع مرشح الرجل حتى غضب غضباً شديداً وسخط عليه ومع ان اسم الذي رشحه الرجل تنطبق عليه الصفات المطلوبة لا يشك في ذلك أحد، فلماذا غضب عمر ما دام الأمر كذلك؟ نكمل الموقف مع عمر، قال للرجل: فمن هو مرشحك؟ قال: عبدالله بن عمر ــ أي ابن أمير المؤمنين ــ فقال عمر: قاتلك الله والله ما أردت الله بها. أي إنك يا رجل لم ترشح عبدالله ابني إلا تزلفاً إلي.
فعلى الرغم من أنه لا خلاف على عبدالله في أنه الرجل الذي تنطبق عليه المواصفات، إلا أن عمر عد ذلك تزلفاً من الرجل الذي رشحه لأمير المؤمنين لحاجة في نفسه، كأن يجعل ذلك مدخلاً لكسب رضا الحاكم للوصول إليه فيما يبتغيه، ومن الجائز أن أحداً سوى ابن الخطاب ربما قبل ذلك لكن عمر لا.. وألف لا.
ها هو عمر بن الخطاب، فماذا يبقى من الحديث لم نقله بعد؟ من المؤكد أنه يبقى الكثير.. الكثير، فأخبار عمر حافلة بالعجب العجاب. جاءه عبدالرحمن بن عوف يحدثه في ان يلين للناس، فصاحب الحاجة إذا أقبل عليه يهابه ويخاف منه فلا يفصح بسبب الخوف عن حاجته، ينعقد لسانه فيرجع وما تقضى حاجته.
إنه لأمر خطير هذا الذي يكلمه فيه ابن عوف، وكان مدفوعاً بهذا الحديث من علي وعثمان وطلحة والزبير، فماذا كان من عمر؟ قال لابن عوف: يا عبدالرحمن أنشدك الله، أعليُّ وعثمان وطلحة والزبير وسعد أمروك بهذا؟ قال: اللهم نعم، فقال عمر: يا عبدالرحمن، لقد لنت للناس حتى خشيت الله في اللين، ثم اشتددت حتى خشيت الله في الشدة، وأيم الله، لأنا اشد فرقاً منهم مني فأين المخرج؟ وقام يبكي يجر رداءه، فجعل عبدالرحمن يقول: أف لهم من بعدك.
حقاً يا ابن عوف، أف لكل المسلمين من بعد عمر حتى يوم الناس هذا، يقولون له إن الناس يهابونك، فإذا هو الذي يخشى الله فيهم شداً أو ليناً، ولنا بإذن الله جولة أخرى مع الفاروق.

