ما الذي كان يحدث في مدينته التي لم يعرف غيرها حتى ذلك الوقت؟

موجة من الحرائق تجتاح «فرجانها» الممتدة من «الراس» حتى فريج «المرر» مرورا بفريج «الضغاية» حيث يقيم و«الفرجان» الأخرى المجاورة. ربما يتطلب الأمر قليلا من الوقت حتى تصلهم الأخبار من الضفة الأخرى لخور دبي نظرا لعدم انتشار الهواتف الثابتة وعدم اختراع وسائل الاتصال الحديثة من هواتف نقالة وفاكسات وإنترنت وما شابهها. أما ما يحدث في بعض المناطق التي كانت تعتبر بعيدة وقتها مثل «جميرا» و«أم سقيم» فقد لا يصل إليهم إلا بعد أيام، وربما لا يصل.

لم يكن هناك وقت محدد لاشتعال تلك الحرائق. كان بعضها يحدث في الليل والناس نيام، ويحدث أن يكون الناس على موائد الغداء ظهرا فيصيح الصائح بأن هناك حريقا قد شب في بيت من البيوت. كانت الطريقة التي تشتعل بها واحدة تقريبا؛ لفافة من القماش أو ليف النخل مشبعة بالكيروسين تُرمى مشتعلة على أحد البيوت المبنية من جريد النخل لتستعر النيران وتلتهم مجموعة الخيام المكون منها البيت مع السور المحيط بها قبل أن يتمكن أصحاب البيت والجيران من إطفائها برش الماء وحثو التراب عليها، حيث لا دفاع مدني وقتها، ولا وسائل إطفاء حديثة، ولا سيارات ولا طائرات مروحية تقوم بهذه المهمة.

كانت الإشاعات تنتشر في البلاد حول من يشعل هذه الحرائق والهدف من إشعالها، ولكن ليس ثمة من يعرف حقيقة ما كان يحدث. أهالي «الفرجان» الذي استبد بهم الفزع من هذه الموجة شكلوا فرق حراسة ليلية تجوب «السكيك» طوال الليل لمراقبة البيوت حيث تنام النساء والأطفال متوقعين أن تنتزعهم من نومهم صرخة حريق هنا أو هناك.

أما في النهار فيشكل الصبية فرق مراقبة تظل ترصد الوجوه الغريبة التي ترتاد هذه «الفرجان» وهي على كل حال قليلة يمكن عدها على أصابع اليدين وتمييزها، على خلاف هذه الأيام حيث أصبح عد الأهالي وتمييزهم هو الممكن أو السهل غير الممتنع بعد أن أصبحوا هم الغرباء بين هذا السيل الجارف من الوجوه الغريبة.

في واحدة من هذه الفرق انتظم ذلك الصبي منذ الصباح الباكر. مر صدر النهار من ذلك اليوم هادئا لم يشاهد فيه الصبية شيئا يمكن أن يثير شكهم. لكنهم قبل الغروب بقليل رصدوا وجها غريبا يعبر «فريجهم» متجها ناحية البحر فمضوا يتبعونه من مسافة كانت تسمح لهم بمراقبته وتسمح له برؤيتهم يتعقبون خطواته. أنهى الرجل تدخين السيجارة التي كانت في يده ثم أخرج علبة السجائر من جيبه لإشعال واحدة أخرى.

كان الاضطراب واضحا على الرجل من خلال ارتعاشة يده التي كانت تشعل السيجارة. هل كان سبب هذا التوتر الصبية الذين كانوا يقفون على بعد خطوات منه أم أن هناك سببا آخر؟ لا أحد يعلم السبب، لكن الرجل لم يطل المكث على شاطئ البحر، إذ سرعان ما غادر المنطقة كلها متخذا طريقا آخر غير الذي جاء منه.

هل كان ذلك الرجل مشعل حرائق حالت مراقبة الصبية له دون إنجازه لمهمته، أم هو عابر سبيل قادته قدماه إلى فريج «الضغاية»؟ لا أحد أيضا يعرف. كل الذي يعرفه ذلك الصبي وأقرانه هو أنهم قد عاشوا فترة عصيبة لم يعرفوا حتى الآن أسرارها. من الذي كان يشعل تلك الحرائق؟ ولماذا كان يشعلها؟ أسئلة لم يستطع الأهالي الطيبون أن يجيبوا عنها. أما هو فقد غدت الحالة كلها واحدة من مخزون ذاكرته رغم أنها روّعت ذات يوم قلبه وانتهكت براءة طفولته.

aliobaid2000@hotmail.com