الاحتفال بأولياء الله الصالحين عند المصريين له طابع خاص، حيث يأتي الزوار والمريدون من كل أنحاء مصر بل وبعض الدول العربية والإسلامية لتتجسد تلك الصورة التي ذكرها شاعر العامية المصري الأشهر صلاح جاهين «الليلة الكبيرة يا عمي والعالم كتير.. ماليين الشوادر يابا م الريف والبنادر».
هكذا كان احتفال المصريين بمولد السيدة زينب رضي الله عنها، حيث أقيمت الاحتفالات أو ما يطلقون عليه «الليلة الكبيرة» في مقام السيدة ومسجدها العريق الذي أقيم في الحي الذي أطلق عليه اسمها ليصبح من أشهر أحياء القاهرة، ولا يقتصر الاحتفال على الذكر وزيارة قبر «أم العواجر» أو «أم هاشم» كما يطلق عليها المصريين، بل تنتشر في مولد السيدة العديد من أنواع الاستثمارات لخدمة هذا العدد الكبير من الزوار، منها ما هو مشروع ومنها ما يخالف الشرع والقانون، حيث أمكننا رصد مجموعة من هذه الاستثمارات، التي يكشف أصحابها تفاصيل دقيقة للنصب العلني والمشروع في الموالد.
ونظراً لارتفاع درجة حرارة الجو هذا العام نشطت محلات بيع العصائر والمرطبات فوضع الباعة مكبرات للصوت يعلنون من خلالها عن سلعهم بعد أن خفض سعرها إلى النصف إكراماً لصاحبة المقام الكريمة، فأصبح ثمن كوب عصير القصب 25 قرشاً فقط مع تعويض السعر بإضافة الكثير من الماء المثلج وقليل جداً من العصير الطبيعي، أما زجاجات المياه الغازية نظراً لعدم القدرة على التلاعب بها فقد ظل سعرها ثابتاً.
وسألنا مصطفى عبدالفتاح صاحب محل عصير قصب بميدان السيدة زينب حول ظاهرة الغش، فضحك ساخراً وقال: «إن حرارة الجو الشديدة تجعل الإنسان لا يشعر بما يتناوله، فهو يريد شراباً بارداً يرطب شفتيه، ولأن الإقبال كبير على شرب المياه تصبح المبردات غير قادرة على التبريد.
ولأن السواد الأعظم من المترددين على المولد من الفقراء فقد قللنا نسبة العصير الصافي إلي النصف وخفضنا السعر أيضاً حتى يكون في متناول الجميع، أما القادر مادياً ففي استطاعته أن يشتري مياهاً معدنية أو زجاجات المياه الغازية التي يتم رفع سعرها قليلاً في هذا اليوم للاستفادة من الاحتفال قدر المستطاع».
المأكولات
وينقسم باعة المأكولات إلى شقين، الأول يتمثل بالمحلات الموجودة في المنطقة، والثاني يتمثل بالمستثمرين في النذور، أما المحلات فقد استقطعت جزءاً من الرصيف ووضعت بها موائد يحيط بها الصبية لحمايتها من اندفاع الجموع في الزحام، خاصة عربات ومحلات بيع سندوتشات الكبدة والسجق، ويقول أيمن سامي صاحب أحد هذه المحلات:
«إن سماح شرطة المرافق بالإشغالات التي يحدثها القادمون من المناطق الريفية والذين يضربون خياماً على الأرصفة في «الليلة الكبيرة»، يستدعي تحويل مرور السيارات عن الطريق في السيدة زينب مما يسمح باستقطاع جزء من الرصيف أمام المحلات ووضع الموائد عليه لكي يجذب المترددين على المولد للجلوس والاستراحة وتناول سندوتشات سريعة ما يحملنا على تخفيض سعر الرغيف الواحد من جنيه إلى ستين قرشاً حتى نبيع أكثر ويكون الربح وفيراً».
أما المستثمرون في النذور فيأتي في مقدمتهم بائعو الفول «النابت»، والنذر في الغالب يكون عبارة عن رغيف من الخبر البلدي توضع به حبات الفول بعد طهيها مع قرص من الطعمية المقلية في الزيت ليكون في ذلك اليوم الاستثمار في حبوب الفول أفضل استثمارات المولد.
وتقول عائشة إحدى بائعات الحلوى في المولد: «منذ كان عمري خمس سنوات وأنا أجوب الموالد مع والدي ووالدتي نبيع الحلوى والتسالي، وبعد أن تزوجت لم أترك مهنتي لأن زوجي كان أحد أبناء تلك المهنة واستمر بها حتى توفاه الله، وكل هذه الفترة جعلتني أحفظ أماكن ومواعيد الموالد عن ظهر قلب»، وتضيف: «أن تجارة الحلوى مريحة للغاية ولكنها لا تكون في جميع أيام العام، ويكثر البيع في الليلة الكبيرة للمولد فقط فتجدنا نعمل أياماً قليلة في السنة وباقي الأيام والشهور نقضيها في الترحال».
يشهد المولد أيضاً تجمعات كبيرة للشباب من مناطق مختلفة إلى جانب الشباب العرب المتواجدين في القاهرة، لم يأتوا لحضور حلقات الذكر أو زيارة صاحبة الضريح، ولكن هدفهم التسلية واللعب بالألعاب المختلفة ومنها الرماية، وتقول رشا إحدى العاملات على عربات الألعاب إنها تعمل باليومية لدى مالك العربات، وتوضح أن «جميع عربات الرماية هي ملك حسن نصار الذي يقوم باستقطاب الفتيات للعمل خلال الأيام الأخيرة من المولد بأجر يومي يبلغ عشرين جنيهاً بينما تكسب العربة في اليوم الواحد مبلغاً يتعدى مئتين وخمسين جنيهاً».
النوع الثاني من عربات الرماية به مجموعة من الدوائر الملونة مرسومة على ورقة كرتون مثبتة في لوح خشبي والطلقات عبارة عن إبرة حادة مصنوعة من الصلب ملفوف طرفها بخيط من الدوبار، وعندما يضغط الشخص على الزناد تخرج الإبرة، فإذا أصابت الدائرة الملونة يربح اللاعب إحدى صور الفنانين أو مشاهير الرياضة. ويقول سيد، وهو أحد أصحاب تلك العربات أن «سعر الصورة الواحدة خمسة وعشرين قرشاً.
بينما الرميتان سعرهما خمسة وعشرين قرشاً أيضاً، فإذا أصاب الشخص في المرتين فستكون خسارتنا فادحة ولكننا نعتمد على عدم إجادة أغلب المترددين للرماية، فإذا أصاب مرة مصادفة ستكون من بين عشرات المرات، وفي النهاية من يدفع مئتين وخمسين قرشاً يريد صورة بخمسة وعشرين قرشاً». وقد دعانا سيد لتجربة الرماية، وما أن تناولت البندقية حتى اكتشفت أن ماسورتها ليست مستقيمة وإنما بها اعوجاج خفيف، مما يؤدي إلى عدم إجادة الرمي وعندما واجهته بذلك ابتسم قائلاً: «هذه فهلوة وحداقة».
إلى جوار عربات الرماية تنتشر الأرجوحات بشكل ملحوظ، والتي يحبها الأطفال ويقدر مالكوها تكلفة الثلاث دقائق بخمسين قرشاً ليحصدوا في نهاية اليوم مئات الجنيهات، كما تنتشر في الموالد تجارة الحلي ومشغولات الزينة النسائية وتكون من مواد رديئة مثل الصفيح والبلاستيك، وتقبل عليها الفتيات الريفيات حيث تكون زهيدة الثمن وفي متناول أيديهن، وتباع هذه المشغولات جنباً إلى جنب مع المسابح بأنواعها المختلفة، والتي يحرص على اقتنائها المترددون على المولد للتبرك وليست للعبادة.
الأراجوز
يعتبر الأراجوز موروثاً شعبياً اختفى من الحياة المصرية وأصبح موجوداً خلال الموالد فقط، ويقول شحاتة أحد محركي الأراجوز: «إن الأراجوز أصل صناعة فن مسرح العرائس ولكن الفارق الوحيد هو أن العرائس المتعارف عليها حالياً يتم تحريكها بواسطة «دوبار أو خيوط»، أما الأراجوز فيكون رأس والجسد عبارة عن كيس نقوم بإدخال اليد فيه لتحريكه.
ومن الأشياء المميزة للأراجوز صوته الذي يحدث نتيجة وضع اسطوانة صغيرة لا يتعدى طولها سنتيمتراً واحداً داخل الفم ويتم الحديث من خلالها، ويقبل الأطفال في المولد علي مشاهدة الأراجوز ويكون العرض بتذاكر بسعر جنيه واحد للتذكرة ويستمر لمدة ربع ساعة»، ويضيف شحاتة: «ان أهم العوامل التي أدت إلى تراجع الأراجوز هي التكنولوجيا الحديثة، مثل التلفزيون والذي ينقل جميع قنوات العالم من خلال الأقمار الصناعية، والكمبيوتر بألعابه المختلفة، والإنترنت وقد أدت هذه التكنولوجيا إلى غياب صندوق الدنيا، والذي كان يسير جنباً إلى جنب مع الأراجوز الذي جاء الدور عليه وبالفعل فالمهنة تحتضر».
ضد القانون
وكما توجد استثمارات مشروعة في الموالد توجد أعمال غير مشروعة مثل لعبة الكوب وأحجار النرد (الزهر)، وهي ألعاب تعتمد على نظرية التجربة العشوائية، حيث يقوم صاحبها بوضع حجرين من أحجار النرد داخل الكوب ويرجه بشدة فيلتف حوله الناس للمراهنة على الأرقام وغالباً ما يخسرون وهذه الألعاب هي نوع من المقامرة يحدث تحت أعين الشرطة.
وهناك استثمار القوة المتمثل بفرض الإتاوات أو كما يطلقون عليها «أرضيات» لكل من يقوم ببيع شيء في المولد أو كل من يستثمر في لعبة أو غيرها، وتكون الإتاوة حوالي ثلاثين جنيهاً لليوم الواحد على كل بائع، وفي ليلة المولد ترتفع الإتاوة إلى خمسين جنيهاً، وهناك عائلات متخصصة في هذا الاستثمار تقوم بتقاسم أرض المولد فيما بينها.
ولم يفت أصحاب بنوك الدم الخاصة استثمار الموالد، إذ تنتشر سيارات الإسعاف الخاصة حول مسجد السيدة زينب، وتنتشر فرقها لتدعو الناس إلى التبرع بالدم نظير مبلغ مالي مقداره عشرين جنيهاً للكيس الواحد، ترافقها مكبرات الصوت التي تحث أهالي القرى على التبرع بالدم لقاء 20 جنيهاً «لإخوانهم في القاهرة الذين يعانون الكثير من الأمراض ويحتاجون إلى الدم»، فيما يباع الدم بمئات الجنيهات استغلالاً لبساطة أهل الأرياف.
القاهرة ـ هشام نصر

