يظل الحديث عن وضعية مسلمي النمسا بعيداً عن الاكتمال، ما لم تؤطره الرؤية الشاملة لكبار رجال الدين المسلمين الذين أبدوا اهتماماً كبيراً بأوضاع الجاليات الإسلامية على امتداد بلاد العالم والمشكلات التي يواجهها المسلمون في المجتمعات الغربية على وجه التحديد.

وقد كان هذا هو، على وجه التحديد، ما أدركه القائمون على معرض «380 درجة شرق ـــ غرب»، والمطبوعات المواكبة له، ومن هنا أبرزوا بصفة خاصة مقاطع من مقابلة مع الشيخ محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر من جهة، ومقابلة مع الدكتور مصطفى كاجريتشي مفتي اسطنبول، من جهة أخرى.

مسؤولية العائلةفي إطار المقابلة التي أجريت معه، يشدد الشيخ محمد سيد طنطاوي على المسؤولية الفائقة التي تتحملها الأسرة عن مستقبل الأبناء ومصيرهم خاصة في غمار تعاملاتهم مع مجتمعات غير إسلامية، وما تطرحه عليهم من تحديات واختبارات غالباً ما تتسم بالصعوبة والتعقيد.

يقول شيخ الجامع الأزهر: نصيحتي للآباء هي أنهم بسبب معرفتهم بكيفية تربية أبنائهم وتعليمهم أن يبادروا إلى تعليمهم كيفية اتباع الطريق القويم، طريق الإسلام. وقد لا يعرف هؤلاء الأبناء بالفعل ما هو سليم وما هو خاطئ، والمشكلة هي في أيدي العائلات التي يتعين عليها أن توضح الأمور لأبنائها. وقبل وصول الأبناء إلى سن المراهقة فإن شخصيتهم تكون في يد الآباء، ومن هنا فإن الآباء مسؤولون عن تربية أبنائهم وعن منعهم من النظر إلى السلوك السيئ وإلى الأمور السيئة.أما الدكتور مصطفى كاجريتشي مفتي اسطنبول فإنه يؤثر الانتقال من هذا الإطار العام إلى أمور أكثر تحديداً وتعلقاً بما يواجهه المسلمون في التعامل مع العالم من حولهم.

التنوع والعولمة

يقول مفتي اسطنبول: «بسبب التقدم فإن الحداثة تمضي قدماً بشكل أسرع في الغرب، غير أنه في غمار التقدم لم يكن بالمستطاع التوصل إلى توزيع عادل للقيم الإنسانية لأن القيم الأخلاقية والقيم الدينية الأساسية لم يتم ترسيخها».

ويضيف: «إذا زرت الجانب الآسيوي من اسطنبول فإنك ستجد مكاناً يقال له كوسكونتشوك، وهناك ستجد كنيسة ومسجداً في حديقة واحدة. وتلك بالنسبة لي هي صورة للطريقة التي أود بها رؤية العالم، لأنني أومن بالقيم الإنسانية المشتركة في العالم».ولكن عندما يتطرق الحديث إلى أوروبا مع مفتي اسطنبول فإنه يغدو حقاً حديثاً ذا شجون.هكذا فإنه لا يتردد في القول بحسم ووضوح «لا يتعين على المرء أن يضحي بالتنوع على مذبح العولمة».

وهو يضيف مسرعاً، مشيراً إلى موقف الأتراك: «إننا كشعب ليست لدينا مشكلة مع الغرب باعتباره كذلك، كما ليست لدينا مشكلة مع القيم الغربية، والسكان يودون أن يتعاونوا وأن يعيشوا في تناغم مع العالم الغربي. والمشكلة الوحيدة هي أن شعبنا، فيما يبدو لا يعتقد بأن الغرب مخلص في مواقفه».

ويتطرق دكتور مصطفى كاجريتشي إلى ما يشهده العالم اليوم من حروب وتوترات فيقول: «إذا نظرت إلى حروب اليوم، فإنك لن ترى إلا ما هو على السطح فحسب، ولكنك ينبغي أن تدمج في إطار تقويمك الخلفية التاريخية أيضاً.

وأنا أعتقد أنه بتلك الطريقة يمكنك التوصل بسهولة أكبر للمشكلات، وإذا نظرت إليها بهذه الطريقة فإنك ستدرك أن هذه المشكلات العلمانية ليست مشكلات الإسلام، أو العراق، أو أفغانستان، وإنما هي مشكلات العالم. وإذا نظرت إلى عالم اليوم فإنك ستجد أن 2.5 تريليون دولار أميركي يجري انفاقها على الأسلحة، بينما الناس من ناحية أخرى يتضورون جوعاً.

وإذا نظرت بهذه الطريقة فإنك ستدرك أن اللوم لا يقع على جانب واحد في التسبب في هذه المشكلات، وإنما اللوم يقع على كاهلنا جميعاً، الغرب، الشرق، الإسلام.. لنا جميعاً نصيبنا في هذه المشكلات، وإذا أردنا أن نكون منصفين، فلا ينبغي أن نشير بأصابعنا إلى الإسلام، وإنما إلى أنفسنا، لكي نجد الحل للمشكلات».

الأجيال والانفتاح

وننتقل إلى رؤية بقدر إيجازها بقدر ما يبدو طابعها المتألق والقادر على التعبير عن الكثير والرحب في العبارة الضيقة والبليغة.يقول الطالب النمساوي من أصول تركية أحمد جينيتش في معرض الحديث عن الصلة بين توالي الأجيال وتحقق المزيد من الانفتاح على العالم تحت عنوان «هنا والآن» ما نصه: «كل جيل في بلد أجنبي سواء أكان مؤلفاً من المسلمين أو المسيحيين يصبح أكثر انفتاحاً ذهنياً، فيما يتعلق بالثقافة، وبالتالي يغدو أكثر تقدماً.

كامل يوسف حسين