تاريخنا العربي والإسلامي زاخر بمواقف الرجال التي تدل على النبل وقوة الشخصية والتقيد بمبادئ الأخلاق، مما نفتقد الكثير منه في هذا الزمان ليس لدينا فحسب بل لدى أكثر المجتمعات على اختلاف عقائدها وأفكارها وتحضرها.
ومن أبرز سمات مكارم الأخلاق، والتي تنِمُّ عن تحضُّر النفس ورقيها الأمانة. فكان أسلافنا من العرب يهتمون بالأمانة اهتماما عظيما حتى كان الواحد منهم قد يضحي بحياته في سبيل حفظ الأمانة، بينما صرنا إلى زمن تفشت فيه الخيانة حتى أسماها بعض المنحرفين فطنة وذكاء.من ذلك وفاء السموأل.
فقد جاء في (المستطرف) و(في بلوغ الأرب) وفي (الأغاني) أنَّ امرأَ القيس لما مضى إلى قيصر الروم أوْدَع السَّمَوْألَ سلاحا وأمتعة ذات قيمة كبيرة. (والسموأل هو السَمَوأل بن غَريض بن عادياء الأزدي. شاعر جاهلي من سكان خيبر في شمالي المدينة، كان يتنقل بينها وبين حصن له سماه الأبلق. وكان في شعره كثير من الحكمة.
ولم يُنقَلْ ألينا الكثيرُ من شعره وأشهر ما نقل عنه ما سمي بلامِيَّة السموْأل وهو شعر رصين، وقطع المحققون بأنها للسموْأل. وهلك السموأل سنة 64 قبل الهجرة الموافقة 560 من الميلاد)، فلما هلك امرؤ القيس بعث ملك كندة إلى السموأل يطلب هذه الأشياء فأبى السموأل دفعها إلا لمستحِقِّها وقال إنها أمانة ولا أغدِر بذمتي.
فقصده ذلك الملك بجيشه فدخل السموأل حصنه وكان ولد السموأل خارج الحصن فظفر به الملك ودار حول الحصن وصاح بالسموأل فأشرف عليه من أعلى الحصن فقال له الملك: إن ولدك عندي ومعي فسَلِّمْ ما عندك أرحلْ عنك وأسلِّمْك ولدَك وإلاّ ذبحته أمامك! فاختر ما شئتَ. فقال السموْأل: ما كنت لأغدِر بذمتي فاصْنعْ ما شئتَ، فذبح الولد وعجز عن الحصن ورجع إلى بلده خائبا جانيا.وضحّى السموأل بولده في سبيل حفظ الأمانة. ولما أقبل الموسم جاء ورثة امرئ القيس فسلمهم الأمانة كاملة وأنشد قصيدة يقول فيها:
بَنى لي عادِيا حِصناً حَصـيناً
وَعَيـناً كُلَّما شِئتُ اِستَقَيـتُ
وَأَوصى عادِيـا قِدمـاً بِأَن لا
تُهَـدِّمَ يا سَمَوأَلُ ما بَنَيـتُ
وَبَيتٍ قَد بَنَيتُ بِغَيـرِ طيـنٍ
وَلا خَشَبٍ، وَمَجـدٍ قَد أَتَيتُ
وَجَيشٍ في دُجى الظَلماءِ مُجْرٍ
يَؤُمُّ بِـلادَ مَـلْكٍ قَد هَدَيـتُ
فَإِن أَهلِكْ فَقَـد أَبلَيـتُ عُذراً
وَقَضَّيـتُ اللُبانَـةَ وَاِشتَفَيتُ
فَأَحمي الجارَ في الجُلَّى فَيُمسي
عَزيـزاً لا يُرامُ إِذا حَمَيـتُ
وفَيْـتُ بأدرعِ الكنـديِّ إنّـي
إذا ما خـان أقـوام وفـيتُ
وَقالـوا إِنَّـهُ كَنـزٌ رَغـيبٌ
فَلا وَاللَهِ، أَغدِرُ ؟ ما مَشَيتُ
ومن قول السموْأل في لاميّته
إِذا المَرءُ لَم يُدنَس مِنَ اللُؤمِ عِرضُهُ
فَكُـلُّ رِداءٍ يَرتَــديهِ جَمــيلُ
وَإِن هُوَ لَم يَحمِل عَلى النَفسِ ضَيمَها
فَلَيسَ إِلى حُسـنِ الثَنـاءِ سَبيـلُ
تُعَيِّـرُنا أَنّـا قَليــلٌ عَديدُنــا
فَقُلـتُ لَهـا إِنَّ الكِـرامَ قَليـلُ
وَما قَـلَّ مَن كانَـت بَقايـاهُ مِثلَنـا
شَبـابٌ تَسامى لِلعُلى، وَكُهـولُ
وَما ضَـرَّنا أَنّـا قَليـلٌ، وَجارُنـا
عَزيـزٌ، وَجارُ الأَكثَرينَ ذَليـلُ
لَـنا جَبَـلٌ يَحتَلُّـهُ مَن نُجـيرُهُ
مَنيعٌ يَـرُدُّ الطَرفَ وَهُوَ كَليـلُ