أعظم نعمة أفاءها الله سبحانه على الإنسان هي نعمة العقل.. وأعظم وظيفة يؤديها عقل الإنسان هي التفكير وأخطر عملية تؤديها هذه الوظيفة هي الابتكار وفيها يسعد المخلوق بلذة الكشف.. وجمال التعرّف وروعة التجديد. لهذا استخلف الله الإنسان في الأرض.. وعهد إليه بواجب القوامة على ما تحفل به من موارد وثروات وإمكانات. صحيح أن هذا المخلوق البشري قد يخطئ.
ولكنه أيضا قد يصيب. وصحيح أن يدعو الإنسان أحيانا بالخير بقدر ما يدعو في أحيان أخرى بالشر.. لكنه في كل حال موكّل بمسؤولية عمران الكون وصون آلائه والتحدث بما يحفل به من نعمة سابغة أفاءها فاطر الأرض والسماوات على سائر المخلوقات التي تدب فوق أديم الأرض من بشر ومن حيوان ومن نبات ومما نعلمه وما لا يعلمه سوى فالق الحب والنوى سبحانه وتعالى.
تحلية المياه من ألطاف الله سبحانه وتعالى أن جعل الماء هو أكثر المواد شيوعا فوق سطح الأرض، إذ يشكل – كما هو معروف – نسبة 70 إلى 75 في المائة من سطح الكرة الأرضية سواء كان في حالة سيولته كمياه جارية أو في حالة تجمده كثلوج وجليد أو في حالته الثالثة على هيئة بخار سابح في أجواء الغلاف الجوي المحيط بالكوكب الذي نعيش فيه.
ومن عبقرية الخلق أيضا أن عددا كبيرا للغاية من المواد الموجودة في الطبيعة يمكن أن تذوب في الماء مما جعل العلماء يطلقون عليه وصف «المذيب العمومي أو الكوكبي».. وأينما يولي الإنسان وجهه فهو يلتقي بكل هذه الأشكال من الماء.. الذي تتنوع بالتالي مصادر ومواقع تواجده لتصنع ما يسميه العلماء باسم الدورة المائية – الهيدرولوجية التي تشير بدورها إلى المبادلات والتحركات والتشكيلات المتواصلة للمياه، ما بين الغلاف الجوي .
وماء التربة والماء السطحي والمياه الجوفية وكميات المياه المودعة في أجسام النباتات. ومن آلاء الطبيعة على الإنسان أن يلتمس الماء بكل حيويته فيجده في المحيطات والبحر وفي النهر والينبوع وفي الترعة والبِرْكة وفي البحيرة وفي باطن الثرى.. بيد أن أغلب كميات المياه توجد بداهة في المحيطات والبحار.
وبديهي أيضا أن الماء، بوصفه سائلا للشرب، وبوصفه عاملا كيميائيا، وبصفه وسطا يهيئ السبيل لعمليات التفاعل الحيوية – بل بوصفه سطحا يشكل مهادا للنقل ووسيلة للمواصلات.. الماء بهذا كله هو العنصر الجوهر – الفيصل والإلزام لاستمرار، مجرد استمرار، الحياة فوق سطح الكوكب.
من هنا كانت الدعوة، التي أصبحت مؤخرا في بؤرة الوعي ومحور الثقافة المحدثة مع مطالع هذا القرن الواحد والعشرين، إلى أن يتعامل البشر مع الماء بقدر أكبر من الأناة والحذر والحيطة والصون والمحافظة.. ذلك لأن العالم من حولنا يشهد تغيرات درامية مثيرة وعلينا أن ننتبه لها ونستعد لمواجهتها.
هكذا ينبه «آل جور» نائب الرئيس الاميركي الأسبق في الكتاب الذي ينطق باسم حملته الشهيرة للحفاظ على البيئة وقد أصدره عام 2006 بعنوان «الحقيقة التي لا تريح أحدا». وهي كذلك – كما يوضح جور بالصورة العلمية الدقيقة للسفوح والقمم الثلجية وجبال العالم الشاهقة من كلمنغارو في أفريقيا إلى الألب الأوروبية إلى الهملايا الاسيوية إلى الإنديز في اميركا اللاتينية..
هذه «المستودعات الثلجية» العملاقة، أو التي كانت كذلك، أصبحت في حال انصهار وذوبان ومن ثم زوال لدرجة أن لا يصلح معها اسم الفيلم الاميركي الشهير بعنوان «ثلوج كلمنغارو» فلن تبقى ثلوج فوق سطح تلك القمة الأفريقية الشاهقة بل ستبقى الحقيقة الصعبة، غير المريحة التي يؤكدها آل جور حين يقول بإيجاز شديد:
- خلال الخمسين سنة المقبلة قد تواجه نسبة 40 في المائة من سكان العالم نقصا فادح الخطورة في المياه.. هذا إذا لم يبادر العالم إلى التصرف بسرعة وجسارة من أجل التخفيف من آثار ظاهرة التساخن الكوكبي.
هذا هو الإطار الذي ينبغي أن نطل منه على الاختراع الذي ظل البشر يحلمون بالتوصل إليه على مدار السنين وتلخصه العبارة التالية:
- تحويل مياه البحر إلى مياه صالحة للشرب
وبمعنى آخر يعرفه الجميع:
- تحويل الملح الأجاج إلى عذب فرات. ويتم ذلك من خلال التحلية أو إزالة الملوحة عن مياه البحار والمحيطات حتى يمكن للإنسان أن يستخدمها مياها صالحة لإبقاء رمق الحياة عند الإنسان.
بيد أن الأمر لا يقتصر فقط على استخدام المياه للشرب وإرواء عطش الكائنات الحية بين الإنسان إلى الحيوان إلى النبات.. الأمر يتوسع أيضا إلى استخدامات خاصة للمياه العذبة.. الشديدة النقاء في عمليات صناعية دقيقة وخاصة في مجال تصنيع وتجهيز الأدوية وما في حكمها.
لهذا يتعين على الإنسان أن يتجه إلى مياه البحر أو المحيط أو البحيرة.. بعضها مالح تماما.. وبعضها من نوع الماء العسِر (بكسر السين) أو الماء المسوس (براكش في لغة الانجليز) بمعنى أن يصعب على الإنسان تناوله للشرب ومن ثم فهو بحاجة إلى إزالة ملوحته بصورة أو بأخرى. في هذا الخصوص تَوصّل الإنسان إلى طريقتين درج الناس على استخدامهما: ما بين طريقة تسخين ومن ثم تبخير المياه في أنابيب أفقيه طويلة ومن ثم تبريده إلى حد التكثيف.
وما بين توصيل المياه إلى درجة الغليان في مستودع ضخم يوضع تحت ضغط منخفض. لكن المشكلة تتمثل دوما في زيادة استهلاك الطاقة في عمليات الوصول بالماء إلى درجة الغليان.. ومن ثم كان استخدام أجهزة أصغر حجما في المناطق الحارة بالذات يمكنها أن تستغل الطاقة المستمدة من أشعة الشمس حيث يتكاثف الماء بخارا على سطوح بلاستيكية في داخل الجهاز أو على أغشية خفيفة في حالة المياه المسوسة التي تتسم بدرجة ملوحة أقل.
ولعل أحدث طرق استخدام ظاهرة الضغط الإسموزي مع تركيب عدسات عاكسة في أعلى جهاز التحلية لتجميع الحرارة المتولدة وإعادة توجيهها إلى داخل مستودع تحلية المياه.. هذه هي الطريقة التي توصل إليها المخترع السويدي سفين جبليوس وقد سجل براءة التوصل إليها في 15/3 من عام 1984.. ولقد بلغ أمر الاهتمام بالحصول على الماء إلى حد أن هناك من يمارس ما يمكن وصفه بأنه عملية اصطياد أو اقتناص أو مطاردة المياه (!) بمعنى تجميع المياه على شبكات مخصوصة من واقع أغشية الضباب والسحابات التي تتجمع وقت طلوع الفجر إلى انبلاج الصباح وتلك طريقة حاول الأفارقة تنفيذها في ناميبيا بالذات بمنطقة الجنوب الأفريقي.
وعندنا ليس المهم هو الركون إلى هذه الطريقة أو تلك من أجل تحلية المياه.. فالكميات الناتجة تظل محدودة فيما تزداد وتتسع وتتعقد الاحتياجات البشرية من المياه العذبة إلى غير ما حدود.. إن الأهم هو الوعي بحيوية الموارد المائية في الكرة الأرضية والتنبه إلى خطر ذوبان جليد القمم الجبلية الشاهقة في عالمنا، لا لمجرد أنه ظاهرة سلبية إزاء السياحة، ولا لمجرد أنه قد يعيق تلطيف الجو ويؤدي إلى ارتفاع درجة الحرارة..
بل لأن هذه الثلوج في الجبال والهضاب هي المنابع الحقيقية والموارد الحيوية، التي تستقي منها أهم الأنهار في عالمنا: النيل يستقي ثلثي مياهه من جبال الحبشة وهضابها، وقمم الهملايا في جنوب شرقي آسيا تزود نسبة 50 في المائة بمياه الشرب لنسبة 40 في المائة من سكان عالمنا.. ويتم هذا من خلال 7 نظم نهرية في ذلك الجزء من قارة آسيا وكلها تنبع من هضبة الهملايا وتستقي من معينها. وليتذكر أهل الأرض حكمة السماء في قول الله سبحانه وتعالى: (وجعلنا من الماء كل شيء حي) صدق الله العظيم.
البطاقة الذكية
هي بطاقة الآي. سي. سي. بمعنى بطاقة الدائرة المتكاملة من الحجم الصغير – بطاقة الجيب كما يسمونها. وتضم دائرة الكترونية متكاملة يمكنها معالجة وتجهيز المعلومات المتصلة بحامل البطاقة أو مالكها، وبمعنى أن تستقبل مدخلات من المعلومات ومن ثم تعيد إنتاجها كمخرجات حسب الطلب مما يجعلها وسيلة عصرية تيسر المعاملات والصفقات بأحجام شتى وبطريقة مأمونة وبأقل جهد من التدخل الإنساني وبأسلوب معياري موحد على أساس من عدم التمييز.
فكرة بطاقة الرقائق (شيب) توصل إليها عالم الصواريخ الألماني هيلموث غروتروب وزميله جورجين دتلوف في عام 1968 وبدأ استخدامها في عام 1983 في سداد تكلفة المكالمات من الهواتف العامة في شوارع فرنسا. وفي عام 1974 كان المخترع الفرنسي رولاند مورينو قد توصل إلى الفكرة الأولى القائلة باختراع بطاقة ذاكرة.
عمل مورينو في الأساس صحفيا متخصصا في الشؤون العلمية وتركزت اهتماماته على ابتداع أداة صغيرة تودع في جيب السترة، سواء كانت بطاقة أو كانت قلما بل خاتما يوضع في البنصر أو الخنصر ولكن تحتوي هذه الأداة على المعلومات الأساسية للشخص الذي يحملها.
ومن خلال وضع الأداة في جهاز مخصوص يتمكن الجهاز من قراءة البيانات المودعة، بحيث يمكن التصرف على أساسها. نال مورينو براءة اختراعه بتاريخ 25 مارس 1974.. وبعد تطويره أنشأ شركة لتسويقه وعندما حذروه من الغش والتقليد.. أعلن عن مكافأة بمليون فرنك فرنسي لمن يستطيع أن «يكسر» حاجز السرية المودع على صفحة البطاقة الذكية التي توصل إليها. ثم توسعت دول أوروبا في استخدام هذا النوع المستجد من بطاقات الدفع والائتمان..
وزادت أميركا عليها بطاقات التعامل الإلكتروني مع أبواب الفنادق دون حاجة إلى المفاتيح المعدنية التقليدية.. وبلغ الأمر إلى حد التوصل إلى بطاقات ذكية متعددة الاهتمامات والاستخدامات بحيث تحمل كل منها أهم المعلومات والبيانات الأساسية للفرد المعني: رخصة قيادة السيارة..
حسابه في البنك دائنا أو مدينا.. حالته الصحية وأوضاعه الاجتماعية بما في ذلك عضويته في الأندية أو المؤسسات الاجتماعية والمهنية.. إلى آخر هذه المعلومات الحيوية.. ومن شأن جهاز الحاسوب أن يتمكن عند اللزوم من «قراءة» أي بيانات مطلوبة من خلال التعامل مع البطاقة الذكية المودعة في جيب السترة أو داخل المحفظة الجلدية الأنيقة والصغيرة أيضا.
وبعد، فهل تشكل هذه الوسائل ضمانا للسرية وسياجا للكتمان؟ يعترف الاختصاصيون أن ليس ثمة ضمان كامل إزاء أي احتمال.. ومع كل تقدم تحرزه اميركا مثلا في هذه المجالات.. تتطاير في كل يوم أنباء حالات الغش والانتحال والتدليس والتزييف التي تستغل فيها هذه الوسائل من بطاقات وأدوات وتيسيرات.. حتى ليتساءل القوم عما إذا كانت البطاقة الذكية هذه ذكية باستمرار وفي كل الأحوال.
محمد الخولي

