في قصيدة غريبة المنزع عنوانها (ثغاء الشاة): الصوت الذي يصدر عن الغنم والخراف، وقف الشاعر إلياس حبيب فرحات يحاور الأيام والليالي، والظروف التي تكون فيها ولخصها بكلمة (الدهر) التي يولع الشعراء بالحديث عنها.

وقال إنه غريم الدهر وأنه يدافع عن نفسه وعن أهله من مصاعبه، ومما خاطبه فيه: ظلمت البائسين وأنت تدري / بأن الظلم مرتعه وخيم-أنا ابنك غير شكٍّ غير أني / غريمُك حين يُفتقد الغرِيمُ-إلى أن قال ذاكراً أولاده وأسرته:أدَهر السوء هذا الكوخ بيتي / ولي فيه السّعادةُ والنعيمُ-فهذي الغادة الحسناء زوجي / وذي ليلى، وخالد، والعصومُ-فأولاده المذكورون هم: ليلى، وخالد، وعصام، ولقبه بلقب العصوم أي الأكول على سبيل التحبب. وكانت (ليلى) بكر أبنائه. وكان لأولاده جميعاً نصيب من دواوينه: الربيع، والصيف، و الخريف.

ولو وضعنا عنواناً لموقف الشاعر (مختصراً) من أولاده لكان «الأولاد ريحان الحياة» وقد قال فرحات يخاطب الأديبة مريانا خوري وقد أوصته بابنه عصام وقد أعجبها مظهراً ومخبراً:

أتوصينني بعصامٍ وهل / عصام سوى ثروة الوالدين؟

وراح الحياة وريحانُهَا / وللدار نورٌ وللأهل زين

فلو غاب عنا سَنا وَجْهِه / لقلنا العَفاءُ على النيّرين

فوجه ابنه المشرق يغطي على الشمس والقمر معاً!

والريحان: هو هذا النبات الزكي الرائحة المعروف أيضاً بالمشموم. وفي الحديث: «الولد من ريحان الله» وفي الحديث الآخر أنه صلى الله عليه وسلم، قال لعلي رضي الله عنه: «أوصيك بريحانتي خيراً» والمراد: الحسن والحسين رضي الله عنهما، والريحان يطلق على الرحمة والرزق والراحة.

وذكر الشاعر ولديه معاً (وهما خالد وعصام) في قصيدة جعل عنوانها: «بين خالد وعصام»، ولمح الفرق بين الكبير خالد وبين الصغير عصام، ولكنه مع ذلك وجد فيهما صورة من شخصه، وتجديداً لما انقضى من عمره، وقرر على طريقة أهل الفكر والفلسفة:

فإنّ الحياة فصولٌ تُعَادُ / وكلٌّ بأسلافه يقتدي!

ومما قاله في الكبير الذي وصفه بالعناد:

إذا لمتهُ لامني هاتفٌ / يقول: ترفقْ ولا تَعْتِد

شبابُكَ يظهر في خَالدٍ / لتنظر أَمْسِ بعين غَدِ

وكم قد جننت جنون الهوى / وقبلك جُنّ أبوك الرّدي

وخالد سوف يُجَنّ ابنهُ / فإن جنون الهوى سَرْمدي!

فالولد سر أبيه، والسلسلة ـــ كما يقول فرحات ـــ متوالية في الأجيال!

أما ابنه الصغير فعلى خلاف الكبير: هو شديد الالتزام، كثير الجد حتى إن الشاعر انتقد ابنه هذا على كثرة جده، وصرامته في الحياة، وقال:

فلا خالدٌ مُتعسي بالضلال

ولا عاصم بالهدى مُسْعِدي

يعني بالضلال والهدى فرق ما بينهما من طرائق استقبال الحياة!

وتحدث عن ابنته البكر في قصيدة (مناغاة ليلى) وبدأها بقوله:

أوُلى فراخ البلبل الغَرِدِ / هذا جناحُ أبيك فاعتمدي

العشّ بين الغار والآس

في مأمنٍ مِنْ أعين الناسِ

إنْ رصّعتهُ السّحْبُ بالماسِ

فالشمسُ تنشفهُ

والوردُ يكنفُهُ

والطير تعزِفُهُ

فوق الغصون فيسكتُ الطيرُ

وتصيخ مصغية لها الزهر

فتودّ لو تحتلّه الزُّهْرُ

بُرْجاً يثير كوامنَ الحسدِ / في الثّور والسَّرطان والأسَدِ

فالقصيدة تستمد من أسلوب الموشحات الأندلسية، وابنته كالبلبل يحملها في صغرها جناح أبيها، وهي في عشها المهيأ لها محسودة من الكواكب الزهر (المشرقة) التي نتمنى لو يكون ذلك العش برجاً تحتله تلك النجوم وتثير حسد أبراج السماء المشهورة كالثور والسرطان والأسد وسائر الأبراج الفلكية وقد ختم إلياس حبيب فرحات قصيدته في ابنته في آخر مقطع:

ما أنتِ من هذا التراب ولا

تلك المياه وذلك الجلَدِ

بل أنتِ من روحي ومن جسدي!

أ.د محمد رضوان الداية