«نزار قباني».. هو ـ بكل المقاييس ـ شاعر و«أديب بلا حدود»، متجاوز لها، بل خارج عليها.. وهو في ذلك يقول: «لقد اخترت الخروج». وبتحديد أكثر يقول:إنه خارج على غريزة القطيع، وأفكار القطيع، وقناعات القطيع..»

وبتفصيل أكثر لهدف الخروج على الحدود، يقول: «أن تمزق كل الفرمانات التي تحمل تواقيع أجدادك، وتعترض على تدخل الأموات في شؤونك الشخصية، ورسم خريطة عواطفك، وكلامك ومعتقداتك».

ومن حيث المكان، هو أيضا شاعر و«أديب بلا حدود»، وذلك منذ مطلع شبابه. ويقول في ذلك: وحين ارتفعت الطائرة بي تاركة خلفها مآذن دمشق وقبابها وبساتينها، شعرت أنني أنفصل عن جاذبية الأرض، وجاذبية التاريخ.. وأعجبتني لعبة السفر، وأدمنت دوار البحر، حتى صارت سطوح المراكب سريري، ومقاعد الطائرات وطني..».وبطبيعة الحال، فإن هذا الترحال المتواصل، جعل شعره أيضا «بلا حدود»، أو كما يقول: «إنني في شعري أحمل جنسيات العالم كلها، وأنتمي لدولة واحدة: هي دولة الإنسان..هذا هو انتمائي الأساسي والوحيد».في الحادي والعشرين من مارس ـ عيد الربيع ـ من عام 1923 ولد «نزار قباني» في بيت من بيوت دمشق القديمة، لأب يعمل في تجارة الحلوى، ويشارك في حركة المقاومة الشعبية ضد الاحتلال الفرنسي.

وفي «الكلية العلمية الوطنية» تلقى دراسته الابتدائية والثانوية، التي جمعت بين الثقافة الوطنية العربية الإسلامية، والثقافة الفرنسية وإن كانت الصبغة الفرنسية، واللغة الفرنسية هما الأغلب. لكن كان من حظه أن معلم الأدب الأول الذي تتلمذ عليه كان الشاعر الكبير «خليل مردم بك»، فأشربه حب الشعر، وأخذ بيده إلى ذلك العالم السحري وتذوق جماله، ومن ثم إلى حفز موهبته.

في عام 1945 حصل «نزار» على شهادة الليسانس في الحقوق من الجامعة السورية، وكانت بواكير شعره قد ظهرت في مجموعة نشرها وهو طالب عام 1944 بعنوان: «قالت لي السمراء»، واتسمت بجرأة وخروج نزق على «حدود» التحفظ الدمشقي في الكلام في شؤون المرأة والحب، الأمر الذي عرضه للهجوم والنقد المر والغضب القاسي، لأنه كما كتب الشيخ «علي الطنطاوي» في مجلة «الرسالة»: يشتمل على وصف مايكون بين الفاسق والقارح والبغي المتمرسة الوقحة وصفا واقعيا، لا خيال فيه، لأن صاحبه ليس بالأديب الواسع الخيال، بل هو مدلل غني، عزيز على أبويه، وهو طالب في مدرسة..».

كان ذلك الديوان القطر الأول الذي ما لبث أن انسكب وانهمر في دواوينه الخارجة على «الحدود»، والتي هاجمها المتحفظون، بينما عانقتها بشغف صدور الأجيال الجديدة التواقة إلى التحرر الشيقة إلى الحب، ومغامراته الجريئة.

ويقول عني الأغنياء:

إني دخلت إلى مقاصير النساء.. وما خرجت

ويطالبون بنصب مشنقتي

لأني عن شؤون حبيتي ـ شعرا ـ كتبت

أنا لم أتاجر ـ مثل غيري ـ بالحشيش، ولاسرقت ولا قتلت

لكنني،أحببت في وضح النهار

فهل تراني قد كفرت؟

في عام 1945، بعد تخرجه، التحق بالسلك الدبلوماسي، وابتعث ملحقا بالسفارة السورية بالقاهرة. وكان ذلك بداية «رحلة الألف ميل» في الترحال «بلا حدود» والذي لم يتوقف إلا بتوقف قلبه عن الخفقان.

وكما كان السفر والترحال شغفه وإدمانه، كان منهل معارفه وعواطفه وخياله وابداعه: «إذن فأنا أدين للرحيل بثلاثة أرباع شعري.. لقد رفضت حالة الشاعر ـ الشجرة، واخترت قدر الشاعر ـ العصفور. ذلك لأن الشجرة لا تستطيع ـ مهما حاولت ـ أن تغير محل إقامتها، ومواضيع جذورها وشكل أوراقها، أما العصفور فأهم ما فيه: انه يستطيع أن يخترع كل ثانية وطناً جديداً».

في القاهرة قضي نزار ثلاث سنوات، عنها يقول: «للقاهرة علي فضل الربيع على الشجر، وبصمات يديها ترى واضحة على مجموعتي الثانية «طفولة نهد» المطبوعة في القاهرة عام 1948.. كانت القاهرة في الاربعينيات زهرة المدائن، وعاصمة العواصم العربية،وكانت بستانا للفكر والفن عز نظيره.. وبعد القاهرة شردت في بلاد الله كلها، وتناثر رمادي على كل البحار كما يتناثر رماد البوذيين بعد حرقهم».

وفي سنة 1952 ارتحل الى «لندن» حتى عام 1995، ثم الى «بكين» عام 1958 وحتى 1960، ثم إلى «مدريد» عام 1962 وحتى 1966 وبعدها ترك العمل الدبلوماسي وارتحل الى «بيروت» التي صارت منذ ربيع 1966 «وطنا لي ولكلماتي» وفيها أسس دار «منشورات نزار قباني».

في «بيروت» ارتوى ابداع نزار حتى صار «غابة كثيرة الشجر ممدودة الافياء» ومنها انطلقت أسفاره الى حشود محبي الشعر ومحبيه في «بغداد» و«الخرطوم» وغيرهما من المدائن العربية والأجنبية.

وكما اعطته بسخاء،أخذت منه حرائقها زوجه الحبيبة «بلقيس» تحت ركام السفارة العراقية فيها، وفي عام 1982 شد رحاله وأحزانه وعاود الارتحال، وفي «القاهرة» حط رحاله بأمل الاستقرار في ظل، ووقتها كتب: «مصر هي بيتي، وأنا أدخلها بالحب وحده دون أن أطلب مفاتيحها من أحد، فالشعب المصري وحده يملك مفاتيح مصر. مصر هي الحرية، ولا استطيع أن أتصورها على شكل مشنقة. ومصر هي الحوار الحضاري ولا أستطيع أن أتصورها على شكل مسدس. ومصر هي الكلمة الجميلة، ولا أستطيع أن أتصورها على شكل معسكر اعتقال..».

ولكن «نزار» الذي تعود الحنو حتى التدليل، والأضواء حتى الإبهار، والذاتية حتى النرجسية، تاه في ضجيج «القاهرة» المعاصرة، فحزم حقائبه غاضبا مرتحلا إلى أوروبا: «حزمت حقائبي ورحلت عن مصر التي أحبها، لأنني لا يمكن أن أعود القهقري وأسقط في ثقافة أحمد عدوية..!».

بين «جنيف» و«لندن» استقر مقام «نزار» ومنها راح يتنقل بين المدائن العربية، لينشد حشود جماهيره خفقات قلبه حبا وغضبا وثورة، وحتى جلد للذات العربية اللاهية والمقهورة: «مواطنون دونما وطن..

مطاردون كالعصافير على خرائط الزمن

مسافرون دونما أوراق

وموتى دونما كفن

نحن بغايا العصر، كل حاكم

يبيعنا، ويقبض الثمن

نحن جواري القصر، يرسلوننا

من حجرة لحجرة

من قبضة لقبضة

من هالك لمالك

من وثن إلى وثن

ومثلما كان «نزار» في شعره عن المرأة جريئا بلا حدود مقتحما الخدود الحصينة وراء الاستار والمحرمات، كان أيضا جسورا «بلا حدود» في شعره الثوري الغاضب الذي فجرته نكسة 1976.

ياوطني الحزين

حولتني بلحظة

من شاعر يكتب شعر الحب والحنين

لشاعر يكتب بالسكين

وبتلك السكين راح ينكأ الجراح العربية، ويخز الضمير العربي، و،يعري العورات في الأنظمة والحكام والعقول والتقاليد ناعيا ما تسقطه أيدينا من تاريخ وشرف، ومن مدائن وأوطان

«يا قدس، يامدينة الأحزان

يادمعة كبيرة تجول في الأجفان

من يوقف العدوان

عليك، يالؤلؤة الأديان.؟

من يغسل الدماء عن جارة الجدران؟

من ينقذ الإنجيل.؟

من ينقذ القرآن.؟

من ينقذ الإنسان.؟

وبعد فإن قيمة الارتحال «بلا حدود» في تجربة نزار قباني الحياتية والشعرية، أن كل مدينة ارتحل إليها وعاش فيها نثرت بصماتها على فنه وإبداعه وخياله ورؤاه وفكره.

القاهرة: «صقلت أحاسيسي وعيني ولغتي الشعرية، وحررتني من الغبار الصحراوي المتراكم فوق جلدي».

وفي لندن: انسكبت السماوات الرمادية على أوراقي ودفاتري وتوارت شموس الشرق خلف ستائر الضباب اللندني الكثيف. لقد منحتني لندن الطمأنينة الفكرية، وغسلت أمطارها أعشابي الشرقية العطشى، وأعطتني براريها المكشوفة واللانهائية الخضرة أول دروس الحرية.

وفي إسبانيا: أهم ما تعلمته من إسبانيا التطرف في تذوق الأشياء. والتطرف في التعبير عن الأشياء، فكل شيء في إسبانيا حار وحارق كالبهارات الهندية.. إسبانيا هي أرض الانفعال، والتوتر، ولا يمكن لأي إنسان يمر بها أو يسكنها أن يبقى محايداً.

وفي الصين: حصادي الشعري في الصين كان قليلا.. وفيها تفتحت زهور الشحوب على دفاتري، وكبرت، حتى صارت أوراقي غابة من الدمع.ولبنان: كان الإناء الذي احتوى شعري، وأعطاه شكله ولونه ورائحته.

لكن الحياة «بلا حدود» حياة وشعراً لم تكن كلها سلاما وطريقا مفروشا بالورود، وإنما كانت ورودا حولها أشواك. حقا كان «نزار قباني» فيها مالئا للدنيا وشاغلا للناس، ولكن ذلك لم يكن كله له، وإنما كان بعضه له، وبعضه الآخر عليه، حتى إن الصلاة على جثمانه حين قضي نحبه في الثلاثين من إبريل سنة 1998 في ضباب لندن ـ كانت موضع خلاف بين من كانوا معه ومن كانواعليه. وهكذا صدقت رؤيته في توصيف نفسه وتجربته حين قال:

في خانة المهنة من جوازي

عبارة صغيرة صغيرة، تقول

إني كاتب وشاعر

في اللحظة الأولى، اعتقدت أنها

عبارة سحرية

ستفتح الأبواب في طريقي

وتجعل الحراس يسجدون لي

وتسكر الضباط والعساكر

ثم اكتشفت أنها فضيحتي الكبيرة

وتهمتي الخطيرة

وأنها السيف الذي يطول رأسي

كلما أردت أن أسافر

عبدالوهاب قتاية